لا أثر للا [ستهزاء](١) على الكفر مع الكفر ؛ لأن الاستهزاء كفر وزيادة ، وتعليق الحكم على الوصف المناسب يشعر بغلبته له ؛ والاستهزاء هو عين الكفر ؛ وهؤلاء لم يكونوا فى زمن الفترة ؛ بل كانوا مؤمنين بغيره ، وما علم كفرهم به إلا من لفظ الاستهزاء ؛ وفيها دليل على صحة العمل بالقياس ؛ لأن الآية سيقت مساق التخويف للكفار ، والتسلية لنبينا صلىاللهعليهوسلم ، وما وجه التخويف إلا من ناحية أنّ المشاركة فى الوصف توجب التسوية فى الحكم الناشئ له ، والكفار المعاصرون لنبينا مشاركون لمن سبقهم فى الاستهزاء. واقتضت الآية أنّ من سبقهم عوقب ، فكذلك هؤلاء. ولا معنى للقياس إلا إثبات حكم الأصل للفرع لعلة جامعة. وتنكير لفظ «رسل» للتشريع ، ولا يناسب التعظيم ، ولا يحصل به التخويف ؛ لأنهم يقولون : إنما عوقبوا (٢) أولئك على استهزائهم بعظماء الرسل فما يلزم منه عقابنا نحن.
فإن قلت : كيف أكد هذا القسم باللام وقد مع أن الماضى بعيد عن زمن الحال؟
والجواب : تنزيلا له منزلة القريب ؛ ليحصل كمال التخويف. ولما أخبرهم بالإملاء (٣) فعلم العاقل منهم أنّ الإملاء [٢٨٤ ب] أشد من الإهمال بكثير ، لأنه يتضاعف به العذاب ، فأسرع إلى الدخول فى الإسلام ، وعلم أن تيسير أسباب الوقوع من موجبات عذاب آخر ، والأمر كذلك ؛ لأنّ الله تعالى يقول (٤) : (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً). ويحكون فى مثل هذا أنّ صبّيا مسلما صفع يهوديّا فى الحمام ، فأعطاه اليهوديّ دينارا مكيدة منه
__________________
(١) مكانها بباس فى الأصلين.
(٢) هذا فى الأصول.
(٣) فى الآية : فأمليت للذين كفروا.
(٤) آل عمران : ١٧٨
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
