قال تعالى (١) : (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا). ولم يكن وجد رؤيته فكيف يعطيه رؤيته ، ولا وجد له لذة ، كأنه قال له : لن ترانى بعين الحبيب وأمّته حتى تكون معهم ، ثم ترانى ؛ وأيضا قد أعطاه الله رؤية القلب من غير سؤال ، فلا يجوز فى الحكمة أن يعطيه رؤية البصر بالسؤال ، وكأن رؤية القلب أعظم وأفضل من رؤية البصر ؛ لأنّ رؤية البصر مؤقتة ، ورؤية القلب دائمة. قال المخزومى : إنما لم يعطه الرؤية ؛ لأنه قال فى أزله (٢) : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) ؛ يعنى فى الدنيا ؛ فمنعه الرؤية حتى يتحقّق ما قال ، كما أنّ آدم عليهالسلام لما قال الله (٣) : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ـ قضى عليه بالمعصية والخروج من الجنة ، حتى يتحقق قوله. وأيضا لما كان نوره يغلب الأبصار حفظ بصره ، وكيف يستطيع النور الضعيف الثبات مع القوى ، ونحن نشاهد بعض البصر يذهب بنور البرق.
فإن قلت : لم لم تصر قلوب العارفين دكّا كالجبل وهو يتجلّى لهم فى كل ساعة.
والجواب : لما تعوّدت القلوب جماله [١٦٥ ا] ونوره منذ خلقها فاطمأنّت وسكنت. ولو كانت ساعة لدكّت القلوب كالجبل ، فمن ادّعى رؤيته بالقلب يصدق قوله بخلاف البصر.
(مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٤)) : هذا من قول صفورا لأبيها ، فقال لها : ما رأيت من قوّته وأمانته؟ فقالت : رفع الحجر الذى على رأس البئر وحده ، ولا يرفعه إلا أربعون رجلا ، وكنت أمشى أمامه ، فقال : تأخّرى
__________________
(١) القصص : ٤٦
(٢) الأنعام : ١٠٣
(٣) البقرة : ٣٠
(٤) القصص : ٢٦
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٢ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4332_mutarak-alaqran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
