إلا ما علمنى الله ، اقرءوا إن شئتم (١) : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ).
فإن قلت : قد ظهر من أخبار الكهّان والمنجمين ما وقع وصدقهم.
والجواب أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف ، أو عن وهم ، لا عن علم ؛ ولا يجب تصديقهم ؛ لأن الآية نفت علمهم ؛ وإنما يجب علينا تصديق الرسل ؛ لأنه علم إلهى.
وقيل : إن الغيب فى هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة. ولذلك قال (٢) : (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). وقد قدمنا فى النحل من هذا المعنى ؛ ورضى الله عن بعض العلماء لما دخل على بعض الملوك ووجده متحيّرا ؛ فقال له : مالك؟ فقال له الأمير : رأيت البارحة ملك الموت فى المنام ؛ وسألته : كم بقى من عمرى؟ فأشار لى بأصابعه الخمس ، ولا أدرى هل هى خمس ساعات أو أيام أو جمعات أو أشهر أو سنين؟ فقال له : إنما أشار لك بالخمس إلى الحديث فى : «خمس لا يعلمهن إلا الله» ؛ ثم قرأ : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...) الخ». فهدأ روعه. وإذا كان ملك الموت الموكل بقبض الأرواح لا يدرى عمر العبد حتى يؤمر بقبض روحه ، فما بالك بمن افترى على الله ، ورحم الله القائل (٣) :
|
لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصا |
|
ولا زاجرات الطير ما الله صانع |
فإن قلت : كيف قال : (إِلَّا اللهُ) بالرفع على البدل ، والبدل لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلا ، ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها ؛ والله تعالى
__________________
(١) الجن : ٢٦ ، ٢٧
(٢) النمل : ٦٥
(٣) هو لبيد : السمط : ٣٨٨ ، وفى السمط : الطوارق بالحصى.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٢ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4332_mutarak-alaqran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
