جهاده للنصارى فى آخر الأمر ؛ كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب ؛ ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذى اتفق عليه الأنبياء ، فخوطب به جميع الناس ، والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين ؛ فخوطبوا بأهل الكتاب ، يا بنى إسرائيل ، يأيها الذين آمنوا.
وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التى بين الناس ، وهى نوعان : مخلوقة لله تعالى ، ومقدرة لهم ؛ كالنسب والصهر ؛ ولهذا افتتحت بقوله (١) : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها). ثم قال : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ). فانظر هذه المناسبة العجيبة بالافتتاح وبراعة الاستهلال ، حيث تضمنت الآية المفتتح بها نظير السورة فى أحكامه من نكاح النساء ومحرماته ، والمواريث المتعلقة بالأرحام ؛ وإن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ثم بخلق زوجته منه ، ثم بث منهما رجالا كثيرا ونساء فى غاية الكثرة.
وأما المائدة فقد تضمنت بيان تمام الشرائع ، وتكملات الدين ، والوفاء بعهود الرسول ، وما أخذ على الأمة ؛ وبها تم الدين ؛ فهى سورة التكميل ؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذى هو من تمام الإحرام ، وتحريم الخمر الذى هو من تمام حفظ العقل والدين ، وعقوبة المعتدين من السراق والمحاربين الذى هو من تمام حفظ الدماء والأموال ، وإحلال الطيبات الذى هو من تمام عبادة الله ؛ ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلىاللهعليهوسلم ؛ كالوضوء ، والتيمم ، والحكم بالقرآن على كل ذى دين ؛ ولهذا أكثر فيها من لفظ الإتمام والإكمال ،
__________________
(١) النساء : ١
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
