ومثاله من التكلم إلى الغيبة ـ ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب ، وأنه فى كلامه ليس ممن يتلوّن ويتوجّه ويبدى فى الغيبة خلاف ما يبديه فى الحضور ـ قوله تعالى (١) : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ). والأصل ليغفر لك. ((٢) إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ) : والأصل لنا. ((٣) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ). والأصل منا. ((٤) إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ...) إلى قوله : (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ). والأصل وبى ؛ وعدل عنه لنكتتين : إحداهما دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها. والأخرى تنبيههم على استحقاقه الاتّباع بما اتصف به من الصفات المذكورة فى الخصائص المتلوّة.
ومثاله من الخطاب إلى التكلم لم يقع فى القرآن ؛ ومثّل له بعضهم بقوله (٥) : (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ). ثم قال : (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا). وهذا المثال لا يصح ؛ لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا.
ومثاله من الخطاب إلى الغيبة (٦) : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ). والأصل بكم ؛ ونكتة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم التعجّب من كفرهم وفعلهم ؛ إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة. وقيل : لأن الخطاب أولا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم ، بدليل (٧) : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ؛ فلو كان : وجرين بكم للزم الذم للجميع ، فالتفت عن الأول للاشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم فى آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص.
__________________
(١) الفتح : ١ ، ٢
(٢) الكوثر : ١ ، ٢
(٣) الدخان : ٥
(٤) الأعراف : ١٥٨
(٥) طه : ٧٢ ، ٧٣
(٦) يونس : ٢٢
(٧) يونس : ٢٢
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
