قلت : ورأيت عن بعض السلف فى توجيهه عكس ذلك ؛ وهو أن الخطاب أوله خاص وآخره عام ؛ فأخرج ابن أبى حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال فى قوله : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) ـ قال : ذكر الحديث عنهم ، ثم حدث عن غيرهم ؛ ولم يقل : «وجرين بكم» ؛ لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم وجرين بهؤلاء وغيرهم من الخلق ، هذه عبارته. فلله درّ السلف ، ما كان أوقعهم (١) على المعانى اللطيفة التى يدأب المتأخرون فيها زمانا طويلا ، ويفنون فيها أعمارهم ، ثم غايتهم أن يحوموا حول الحمى.
ومما ذكر فى توجيههم (٢) أيضا أنهم وقت الركوب [٦٣ ب] حضروا لأنهم خافوا الهلاك وغلبة الريح ، فخاطبهم خطاب الحاضرين ، ثم لما جرت الرياح بما تشتهى السفن ، وأمنوا الهلاك ، لم يبق حضورهم كما كان ، على عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه ، فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة ، وهذه إشارة صوفية.
ومن أمثلته أيضا (٣) : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ. وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ). ((٤) وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ). ((٥) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ. يُطافُ عَلَيْهِمْ). والأصل عليكم ، ثم قال : (وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ) ، فكرر الالتفات.
ومثاله من الغيبة إلى التكلم (٦) : (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
__________________
(١) فى الإتقان : أوقفهم.
(٢) فى الإتقان : فى توجيهه ...
(٣) الروم : ٣٩
(٤) الحجرات : ٧
(٥) الزخرف : ٧٠ ، ٧١
(٦) الروم : ٤٨
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
