وإذا ثبت ذلك ، لم يخل من أن يكونوا حجّة فيما يشهدون أو لا يكونوا ، فإن لم يكونوا (١) حجّة بطلت شهادتهم لأنّ من حقّ الشّاهد إذا أخبر عمّا يشهد به أن يكون خبره حقّا ، وإن لم يجر مجرى الشّهادة ، فلا بدّ من أن يكون قولهم صحيحا ، ولا يكون كذلك إلّا وهم حجّة ، وليس بعض أقوالهم وأفعالهم بذلك أولى من بعض ، وذلك أنّه لو سلّم لهم جميع ما ذكروه (٢) ولم يلزم أن يكونوا حجّة في جميع أقوالهم وأفعالهم ، لأنّ أكثر ما تدلّ عليه الآية فيهم أن يكونوا عدولا رشّحوا (٣) للشّهادة ، فالواجب أن ينفي عنهم ما جرح شهادتهم وأثّر في عدالتهم دون ما لم يكن بهذه المنزلة.
وإذا كانت الصّغائر على مذهبهم غير مخرجة عن العدالة (١) ، لم يجب بمقتضى الآية نفيها عنهم ، وبطل قوله : «أنّه ليس بعض أقوالهم وأفعالهم بذلك أولى من بعض» لأنّا قد بيّنا فرق ما بين الأفعال المسقطة للعدالة والأفعال الّتي لا تسقطها.
ثمّ يقال لهم : أليس الرّسول عليه وآله السّلام مع كونه شهيدا لا يمنع من وقوع الصّغائر منه ، فهلا جاز ذلك في الأمّة.؟
__________________
(١) في النسختين : يكن.
(٢) في المصدر : فلو سلّم له جميع ما ذكره.
(٣) في النسختين : (روشحوا) وهو تصحيف صحيحة ما أثبتناه نقلا عن المصدر.
(٤) أجمعت المعتزلة على أنّه لا يجوز أن يبعث الله نبيّا يكفر ويرتكب الكبيرة أو يفسق ، بل إنّ معاصي الأنبياء لا تكون إلّا صغائر ، وقال أبو هاشم الجبّائي : إنّه يجوز عليهم الصّغائر الّتي لا تنفّر.
أمّا الأشاعرة فقد أجمعوا على عصمة الأنبياء بعد النبوّة عن الذنوب كلّها ، وأمّا السّهو والخطأ فليسا من الذنوب عندهم ولذلك يجوز صدورهما منهم.
وأمّا الإماميّة فتعتقد بأن جميع أنبياء الله معصومون من الكبائر قبل النبوّة وبعدها ، وممّا يستخفّ فاعله من الصّغائر كلّها ، وأمّا ما كان من صغير لا يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غير تعمّد ، وممتنع منهم بعدها على كلّ حال.
انظر : «مقالات الإسلاميين ١ : ٢٧٢ و ٣٠٦ ، أصول الدّين للجرجاني : ١٦٨ ، أوائل المقالات : ٦٢».
![العدّة في أصول الفقه [ ج ٢ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4329_aloddate-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
