وثانيها : ما يفهم المراد بفحواه لا بصريحه ، وذلك نحو قوله : (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما)(١) فإنّ فحواه يدلّ على المنع من أذاهما على كلّ وجه.
وكذلك قوله : (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)(٢) ، لأنّه يقتضي فحواه نفي الظّلم لهم بذلك وما زاد عليه.
وفي الفقهاء من ألحق هذا الوجه بالقياس ، وزعم أنّ جميع ذلك يفهم بضرب من الاعتبار (٣) ، وذلك خطأ ، لأنّ دلالة ما قدّمناه من الألفاظ على ما قلناه أقوى من دلالة النّص ، لأنّ السّامع لا يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمّل ، فهو إذا كالأوّل.
والّذي يكشف عمّا قلناه : أنّه لو قال : (ولا تقل لهما أف واضربهما ، أو اقتلهما ، أو اصفقهما) يعدّ بذلك مناقضا ، وكذلك لو قال رجل لغيره : (أنا لا أعطيك حبّة) ثمّ قال : (لكنّي أعطيك الدّراهم وأخلع عليك) كان ذلك مناقضة ظاهرة. ولو أنّ قائلا قال : (فلانا يؤتمن على قنطار) ثمّ قال : (ويخون (٤) فيما قدر دانق) كان ذلك مناقضة ، فعلم بجميع ذلك صحّة ما قلناه.
إلّا أنّه ربّما كان بعضه أخفى (٥) من بعض ، وبعضه أظهر من بعض ، حتّى يظنّ فيما ليس منه إنّه منه ، وفيما هو منه أنّه ليس منه ، ولأجل ذلك اعتقد أكثر الفقهاء في قوله تعالى : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)(٦) فقال : إنّه يعقل منه فأفطر فعدّة من أيّام أخر.
__________________
(١) الإسراء : ٢٣.
(٢) الإسراء : ٧١.
(٣) وهو مذهب الشّافعي وبعض أتباعه ، كما نسبه إليه أبو إسحاق الشّيرازي في شرحه على اللّمع ١ : ٤٢٤ ، (انظر أيضا ، التبصرة : ٢٢٧) ، وقال : إنّ الشّافعي سمّى هذا النوع من المفهوم في الخطاب بالقياس الجليّ.
(٤) في الأصل : يجوز.
(٥) في الأصل : أجلى.
(٦) البقرة : ١٨٤.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
