والصّحيح عندنا من هذه الأقاويل أنّه لا يخصّ العموم إلّا بما كان إجماعا موجبا للعلم ، أو يكون قول من دلّ الدّليل على عصمته (١) فإنّ ذلك يخصّ به العموم ، وما عدا ذلك لا يجوز تخصيصه به ، وسنبيّن فيما بعد أنّ ما ادّعوه إجماعا ، أو في حكم الإجماع من القول الّذي لا يعرف له مخالف ليس بإجماع إن شاء الله.
وأمّا العادات فعلى ضربين (٢) :
ضرب منها : هي من جهة الأفعال ، فما هذا حكمه لا يخصّ به العموم ، بل (٣)* يجب على المخاطبين أن ينتقلوا عن تلك العادات لأجل العموم ، ويستدلّوا به على تركها ، فكيف يخصّ به العموم؟
والضّرب الآخر : أن تكون العادة جارية في استعمال لفظ العموم في بعض ما تناوله ، فما هذا حكمه ينبغي أن يخصّ به العموم ، لأنّا قد بيّنا فيما تقدّم أنّ الخطاب ينبغي أن يحمل على ما تعورف ويترك ما كان موضوعا له ، لأنّه بالعادة قد صار حقيقة فيما اعتيد فيه ، وقد استوفينا ما يتعلّق بذلك فيما مضى (٤).
فأمّا إذا روى الرّاوي الحديث العام ثمّ صرفه إلى بعض ما تناوله ، فمن النّاس من قال : يجب حمله على الخصوص لأنّه أعرف بمراد الرّسول من غيره لمزيّة المشاهدة الّتي عندها تعرف المقاصد ، وهو المحكيّ عن بعض أصحاب أبي
__________________
(١) قال الشّريف المرتضى (الذريعة ١ : ٢٨٩) : «وأمّا نحن فنذهب إلى أنّ في الصحابة من قوله بانفراده حجّة ، وهو أمير المؤمنين عليهالسلام ، لقيام الدّليل على عصمته».
(٢) العادة من جهة الأفعال قد تكون بأنّ يعتاد في فرد من العام العمل بخلاف حكم العام مثل أن يقول «حرّمت الرّبا في كلّ مكيل وموزون» ونفرض أنّ عادتهم الرّبا في البرّ ، فلا يخصّ العام بما عدا البرّ سواء كان العادة قبل ورود هذا الخطاب العام أو بعده ، وقد يكون بأن يرد عام يشمل أنواعا من المأكولات مثلا ، والمعتاد ممّن يخاطبون إنّما هو أكل نوع ممّا يشمله اللفظ بعمومه مثاله أن تقول : «حرّمت الرّبا في المأكولات» ومن عادتهم أكل البرّ فقط ، فلا يخصّ العام بالبرّ ، فينبغي أن تحمل كلمة (بل) على التّرقي.
(١) انظر التعليقة رقم ١ صفحة ٣٦٠.
(٢) راجع كلام المصنّف في صفحة ٣٥ لغاية ٤٢.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
