ومنهم من قال : يجوز تخصيصه بخبر الواحد إذا كان قد خصّ ، لأنّه قد صار مجملا ومجازا ، وإذا لم يدخله التّخصيص لم يجز أن يخصّ بها (١) ، وهو مذهب عيسى بن أبان (٢).
ومنهم من قال : إذا خصّ العموم بدليل متّصل مثل الاستثناء وما جرى مجراه لم يجز تخصيص العموم به لأنّ ذلك حقيقة ـ على ما حكيناه فيما تقدّم (٣) ، ـ وإذا خصّ بدليل منفصل جاز تخصيصه بأخبار الآحاد لأنّه قد صار مجازا (٤).
والّذي أذهب إليه : أنّه لا يجوز تخصيص العموم بها على كلّ حال ، سواء خصّ أو لم يخصّ ، بدليل متّصل أو منفصل ، وكيف كان ، والّذي يدلّ على ذلك :
أنّ عموم القرآن يوجب العلم ، وخبر الواحد يوجب غلبة الظّن ، ولا يجوز أن يترك العلم للظنّ على حال ، فوجب لذلك أن لا يخصّ العموم به.
فإن قيل : إذا دلّ الدّليل على وجوب العمل بخبر الواحد ، كان وجوب
__________________
٤٧٣ ، شرح اللّمع ١ : ٣٥٤ ـ ٣٥٠ ، روضة النّاظر : ٢١٧ ـ ٢١٦».
(١) وهذا الرّأي هو مذهب الأحناف ـ ما عدا أحناف ما وراء النّهر ومشايخ سمرقند ـ ويبدو أنّ عيسى بن أبان ـ وهو من أصحاب أبي حنيفة ـ أوّل من صرّح بهذا الرّأي فنسب إليه ، فهم بنوا على أنّ العام قطعي الدلالة والخبر الواحد ظنّي ، وبناء على هذا يكون العام باقيا على عمومه ولا يجوز تخصيصه إلّا إذا كان اللفظ العام كان قد دخله التّخصيص بمثله فتجوز الزيادة في تخصيصه بخبر الواحد ، وإن لم يكن قد دخله التخصيص سابقا لم يجز أن يبتدئ تخصيصه بخبر الواحد.
انظر : «التبصرة : ١٣٢ ، أصول السرخسي ١ : ١٤١ ، ميزان الأصول ١ : ٤٧٣ ، شرح اللّمع ١ : ٣٥٢».
(٢) هو عيسى بن أبان بن صدقة بن عدي بن مردان شاه الفسوي ، كان فقيها على مذهب أهل الرّأي والقياس ببغداد ومن أصحاب أبي حنيفة ، لازم المنصور ووليّ القضاء عشر سنين ، له مصنّفات عديدة في علم الأصول ، مات في محرّم سنة ٢٢٠ ه.
(٣) راجع كلام المصنّف في فصل (٧) صفحة ٣١٣.
(٤) وهذا المذهب منسوب لأبي الحسن الكرخي. انظر هامش رقم (٦) من «التبصرة : ١٣٣».
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
