التّخصيص معلوما (١) ـ وإن كان نفس الخبر مظنونا ـ ويجري ذلك مجرى قيام الدّلالة على وجوب تنفيذ الحكم عند الشّهادة ، وإن كانت الشهادة غير معلومة ، وكذلك إذا ظنّ كون القبلة في جهة من الجهات ، وجب علينا التّوجه إليها وإن كان ذلك معلوما ، وإن كان كون القبلة فيه مظنونا ، فما المنكر من أن يكون خبر الواحد مع العموم يجري هذا المجرى؟
والجواب عن ذلك : أنّ السّائل عن هذا السّؤال لا يخلو من أن يكون مخالفا لنا في الأصول أو موافقا :
فإن كان مخالفا ، فلا يصحّ له هذا السّؤال ، لأنّه تضمّن قيام الدّلالة على وجوب العمل بخبر الواحد ، ونحن قد أفسدنا سائر ما يدّعيه مخالفونا من الأدلّة على وجوب العمل بخبر الواحد (٢) ، فإذا فسد العمل بها بتلك الأدلّة ، فلا يمكن أن يدّعي جواز التّخصيص بها ، وقد مضى الكلام على أدلّتهم مستوفي.
على أنّه لو سلّم لهم العمل بخبر الواحد على غاية اقتراحهم ، لم يجز تخصيص العموم به ، لأنّه ليس ما دلّ على وجوب العمل بها يدلّ على جواز التخصيص ، كما أنّ ما دلّ على وجوب العمل بها لا يدلّ على وجوب النّسخ بها ، بل احتاج ذلك إلى دليل غير ذلك ، فكذلك التّخصيص ، فلا فرق بينهما.
فإن قالوا : إذا دلّ الدّليل على وجوب العمل بخبر الواحد ، فينبغي أن يكون خبر الواحد دليلا في كلّ موضع إلّا أن يمنع منه مانع ، والنّسخ الّذي ذكرتموه قد كان يجوز أن يقع بخبر الواحد إلّا أنّه منع الإجماع منه ، فبقي كونه دليلا فيما عدا النّسخ.
قيل لهم : خبر الواحد دليل شرعيّ وليس بعموم يخصّ منه بعضه ويبقى ما عداه ، وإذا ثبت ذلك كان الّذي يدلّ على وجوب العمل به من الإجماع إنّما هو
__________________
(١) في الأصل : معلوم.
(٢) راجع استدلال المصنّف حول عدم حجيّة خبر الواحد وأنّه لا يوجب العلم في صفحة ١٠٠.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
