والمعتمد عندي هو الأوّل (١)*.
واستدلّ أبو هاشم على أنّ لفظ الجمع لا يفيد الاستغراق بأن قال :
لو اقتضى ذلك لاقتضى أكثر الأعداد ، وذلك يوجب أن يكون مقتضيا لما لا يتناهى ، أو أن يكون حقيقة في كلّ عدد يوجد الجموع وكلّ ذلك فاسد (٢)(٣)*.
والكلام على ذلك أن يقال : أكثر ما في هذا أن يقتضي أنّه لا يجوز أن يفيد ما لا يتناهى لأنّ ذلك محال ، ولا يدلّ على أنّه لا يفيد استغراق ما يمكن ، ولو لزم هذا هاهنا للزمه في «من» و «ما» بأن يقال لو أفاد الاستغراق لتعلّقا بما لا يتناهى ، وذلك باطل.
ولا جواب عن ذلك إلّا ما قلناه من أنّه ينبغي أن يحمل على الاستغراق فيما يمكن ، فأمّا ما هو محال ، فكيف يحمل عليه.
وأمّا استدلاله على أنّه حقيقة في الثلاثة من حيث كان أقل الجمع ، فصحيح لا ينازع فيه ، وليس ذلك بمانع عند من خالفه من أن يفيد الاستغراق أيضا حقيقة ، وإنّما يحمل على إحدى الحقيقتين لضرب من الاعتبار (٤)*.
واعلم أنّ الّذي اعتبرناه من دليل الاستثناء في الألفاظ الجموع إنّما يدلّ على أنّها تفيد الاستغراق حقيقة ردّا على أصحاب الخصوص ، ولا يمكننا أن نقول إنّها لا تتناول أقلّ الجمع أيضا حقيقة لأنّ ذلك يكون مكابرة ، فإذا ثبت كونها حقيقة في الأمرين ، وصدر الكلام من حكيم ، ولم يقرن به ما يدلّ على أنّه أراد به أقلّ الجمع ،
__________________
(١) * أي دليل أبي عليّ ، لكن بعد انضمام مقدّمات إليه كما سيحقّقه المصنّف بقوله : واعلم أنّ الّذي اعتبرناه إلخ ، ويحتمل أن يراد بالأوّل كونه للاستغراق لكن لا بدليل أبي عليّ بل بما سبق من دليل الاستثناء.
(٢) قال أبو الحسين البصري في (المعتمد ١ : ٢٢٩) : «وعند الشّيخ أبي هاشم رحمهالله أنه لا يحمل على الاستغراق ، بل يحمل إذا تجرّد على ثلاثة فصاعدا ... وقد احتجّ لذلك بأنّه لو حمل ذلك على الاستغراق لم يستقرّ ، لأنّه لا عدد من الرّجال إلّا ويمكن أن يوجد أكثر منه».
(٣) * أي محال.
(٤) * فإنّه يحمل على الاستغراق باعتبار أنّه كلّ الموضوع له ، ويحمل على أقلّ الجمع لا بشرط باعتبار أنّه داخل في الموضوع له.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
