على خمسة آلاف حديث ، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها وذلك أشهر من أن يخفى ، حتى أنك لو تأملت اختلافهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على اختلاف (١)* أبي حنيفة (٢) ، والشافعي ، ومالك (٣) ، ووجدتهم مع هذا الاختلاف العظيم لم يقطع أحد منهم موالاة صاحبه ، ولم ينته إلى تضليله وتفسيقه والبراءة من مخالفته ، فلو لا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما جاز ذلك ، وكان يكون من عمل بخبر عنده أنه صحيح يكون مخالفه مخطئا مرتكبا للقبيح ، يستحق التفسيق بذلك ، وفي تركهم ذلك والعدول عنه دليل على جواز العمل بما عملوا به من الأخبار.
__________________
(١) * ليس المقصود أن اختلاف الفرقة المحقة واختلاف مخالفهم من قبيل واحد وهو الاختلاف في الإفتاء والقضاء الحقيقيّين ، وذلك لأنه متضمن للقول على الله بغير علم وهو منهي عنه في محكمات كثيرة من الكتاب والسنة ... بل المقصود أن اختلاف الفرقة المحقة في الإفتاء والقضاء غير الحقيقيّين أكثر من اختلاف المخالفين في الإفتاء والقضاء الحقيقيّين ، والمراد بالإفتاء غير الحقيقي رواية الحديث الجامع لشروط الصحة ليعمل به أحد في نفسه ، والمراد بالقضاء غير الحقيقي رواية الحديث الجامع لشروط الصحة ليعمل به أحد في نفسه ، والمراد بالقضاء غير الحقيقي رواية الحديث الجامع لشروط الصحة ليعمل به المتعاملان في دين أو ميراث أو نحوهما ، فاختلاف الفرقة المحقة يرجع إلى الاختلاف في استجماع الحديث لشروط الصحة فقط كعدالة رواية ، وهو ليس نفس حكم الله تعالى.
(٢) هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي ، أصله من فارس ، ولد حوالي سنة ٨٠ ه بالكوفة ، سمع على عدد من التابعين منهم الشعبي ، وعطاء بن أبي رياح ، وحماد ، والإمام جعفر الصادق عليهالسلام ، يقال انه كان يميل إلى المرجئة وقد أيد العلويين في نضالهم ضد الخلافة العباسية فاعتقل وعذب أيام المنصور ، ينسب إليه المذهب الحنفي وقد نشر تلاميذه ـ وخاصة محمد بن الحسن الشيباني ـ آراءه الفقهية وينسب إليه بعض المؤلفات ، ولكن الرّأي السائد يميل إلى أن أبا حنيفة لم يؤلف كتابا قط. مات ببغداد سنة ١٥٠ ه.
(٣) هو مالك بن أنس الأصبحي الحميري ، إمام المذهب المالكي ، ولد عام ٩٣ ه بالمدينة ، طلب العلم صغيرا فأخذه عن جماعة من علماء المدينة أمثال ابن شهاب الزهري ، وربيعة ، ونافع ، كما يذكر المؤرخون أن الإمام الصادق عليهالسلام كان من شيوخ مالك ، وكان لمالك ميول عثمانية وأموية ، كما تقرب إلى العباسيين فاتخذوا منه سندا وعونا في توطيد حكمهم ، فزاره بعض الخلفاء العباسيين وأجزلوا له العطاء ومنحوه سلطات واسعة فكان يأمر بحبس من يشاء أو بضرب من يريد ، كما أجبروا الناس على أخذ الفتوى منه وروجوا لكتابه (الموطأ) الّذي جمعه بطلب من المنصور وأكثر فيه الرواية عن خصوم أهل البيت عليهمالسلام ، وقد روى الطبري عن العباس بن الوليد عن إبراهيم بن حماد ، قال : سمعت مالكا يقول : قال لي المهدي : يا أبا عبد الله ضع كتابا أحمل الأمة عليه ...!! مات مالك عام ١٧٩ ه بالمدينة.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
