فأما من راعى أن يكون الراوي أكثر من واحد (١) ، واستدلاله على ذلك بخبر أبي بكر في الجدة (٢) ، وخبر عمر في الاستئذان (٣) ، وحديث ذي اليدين (٤) في سهو النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأنه لم يقبل منه حتى سأل غيره من الصحابة ، وحمله ذلك على الشهادة وغير ذلك.
فما ذكرناه من الكلام على من لم يراع العدد كلام عليه ، لأنا اعتبرنا المنع من كل
__________________
(١) اختلف الفقهاء والأصوليون من أهل السنة في مقدار عدد الناقلين للخبر بحيث إذا بلغوا ذلك العدد يقبل الخبر وإلا فيرد ، وإليك نصّ كلام ابن حزم الأندلسي الّذي يتضمن جل آراء أهل السنة ، يقول : «اختلف الناس في مقدار عدد النقلة للخبر ، فطائفة قالت : لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب ، وقالت طائفة : لا يقبل إلا من عدد لا نحصيه نحن. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من سبعين. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من خمسين ، عدد القسامة. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من أربعين لأنه العدد الّذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من عشرين. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من اثني عشر. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من خمسة. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من أربعة. وقالت طائفة : لا يقبل إلا من ثلاثة ، لقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أنه قد نزل به جائحة». وقالت طائفة : لا يقبل إلا من اثنين».
انظر : «الإحكام ١ : ١٠٠ ، التبصرة : ٣١٢ ، شرح اللمع ٢ : ٦٠٣» ، وعندهم تفصيل آخر نقله أبو الحسين البصري عن قاضي القضاة والجبائي وأبو يوسف القاضي ، حيث فصلوا بين ما ينتفي بالشبه ، وابتداء الحدود وإثباتها ، وابتداء النصب ، وأركان الصلوات ، وثبوت هلال شوال ، والحقوق المالية ، ورد الحكم لما تعلق بعين وغيرها ، فلم يقبلوا فيها خبر الواحد دون غيرها.
(٢) انظر تخريج الحديث في صفحة (١١٩) هامش رقم (١).
(٣) انظر تخريج الحديث في صفحة (١١٩) هامش رقم (٤).
(٤) في الأصل : الثديين ، وهو كما قيل خرباق بن عمر ، سمي بذي اليدين لطول كان في يديه ، وحديث سهو النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم رواه النسائي في سننه (٣ : ٢٠ و ٦٦) ، ومسلم في صحيحة ، ولفظ الحديث كما جاء في «صحيح مسلم ١ : ٤٠٣ حديث رقم ٩٧» بإسناده عن أبي هريرة : «سمعت أبا هريرة يقول : صلى بنا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إحدى صلاتي العشي ، إما الظهر وإما العصر. فسلم في ركعتين ، ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبا ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة. فقام ذو اليدين فقال : يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يمينا وشمالا فقال : ما يقول ذو اليدين؟ قالوا : صدق ، لم تصل إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم ...».
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
