وقد ظهر ضعف هذا الدليل بما مرّ سابقا من أنّ المصوّبة لا ينكرون وجود شيء يحكي عنه الدليل والأمارة وإن لم يكن ذلك حكما للمجتهد إلّا إذا وافقه رأيه ، فمتعلّق الظنّ ذلك الشيء ومتعلّق القطع الحكم فاختلف موردهما.
الخامس : ما ذكره العلّامة من أنّ الاختلاف في الحكم يتبع الاختلاف في اعتقاد رجحان إحدى الأمارتين على الاخرى ولا يخلو إمّا أن يكون لإحداها رجحان على الاخرى أو لا ، فإن كان الأوّل كان القول برجحان المرجوح خطأ وإن كان الثاني كان كلّ من الاعتقادين خطاء ، وكيف كان فلا يكون كلّ واحد مصيبا.
وفيه أن الحكم على القول بالتصويب تابع لاعتقاد الرجحان لا الرجحان الواقعي كما صرّح به في أوّل استدلاله ، وحينئذ فيجوز أن يكون اعتقاد الرجحان على طرفي النقيض ويتبعه الحكم ، فلا محذور.
السادس : ما ذكره العلّامة أيضا وهو أنّ المجتهد إمّا أن يكون مكلّفا بالحكم عن الدليل أو لا ، والثاني باطل لأنّه إن كان مكلّفا بحكم معيّن في الواقع كان تكليفا بالمحال ، وإن كان مكلّفا بحكم لا على التعيين كان قوله في الدين بمجرّد التشهّي وهو فاسد ، فتعيّن الأوّل ، وحينئذ فالدليل إن كان خاليا عن المعارض كان تاركه مخطئا وإن كان له معارض فإن ترجّح أحدهما على الآخر كان الأخذ بالآخر مخطئا ، وإن تساويا كان الآخذ بكلّ منهما مخطئا لتعيينه ما ليس بمتعيّن ، وعلى التقديرين لا يكون الجميع مصيبا ـ انتهى ـ
وفيه أنّه يمكن كون المجتهد مكلّفا بالحكم عمّا يكون دليلا عنده ، لا عن الدليل الواقعي حتّى يلزم المحذورات المذكورة ، وحينئذ يمكن أن يكون كل مجتهد مصيبا لكون حكم كلّ واحد عن ما هو دليل عنده هذا.
فعلم أنّ الصحيح من الأدلّة المذكورة هو الوجهان الأوّلان ، وفيهما كفاية ، وعلم بذلك بطلان القول بالتصويب بالبديهة ، فلا حاجة إلى ردّ أدلّتهم مفصّلا ، لأنّا نعلم بطلانها إجمالا ، إلّا أنه لا بأس بالإشارة الإجماليّة إليها وإلى أجوبتها.
