أقول : قد يقال : إنّ مراده ممّا يتوقّف على التوقيف العبادات ، [وممّا لا يتوقّف المعاملات] فإنّها امور عرضيّة مضبوطة عند العقلاء طرّا حتّى عند من لم يقرّ بدين وشرع أو لم يسمع به ، غاية الأمر أنّه يجوز للشارع الردع عن بعضها وأن يجعل لها شروطا وموانع ، كما هو كذلك في شرعنا ، فما لم يثبت الردع يحكم بصحّتها وتقرير الشارع لها ، ولا ريب أنّ جلّ المعاملات بل كلّها امور عقليّة يحكم بها العقل لحفظ نظام العالم ، وهي إمّا من قسم تدبير المنزل أو من قسم علم السياسة المدنيّة الذين هما من أقسام الحكمة العمليّة كما هو مذكور في محلّه من أقسام علم الحكمة.
وقد يقال : إنّ مراده ممّا يتوقّف على التوقيف الأحكام الفرعيّة ، وما لا يتوقّف على التوقيف الأحكام الاصوليّة ، ويشهد للمعنى الأوّل قوله بعد ذلك : إن كان الدليل العقلي بديهيّا إلى قوله فلا ريب في صحة العلم به ، لأنّ العمل بالدليل لا يكون إلّا في الأحكام الفرعيّة وأمّا الاصوليّة فالمطلوب منها الاعتقاد لا العمل ، لكنّ الأظهر بل المتعيّن أنّه أراد المعنى الثاني لأنّ هذا الكلام منه استدراك لما ذكره في سابقه بقوله : لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهيّة من عبادات وغيرها ـ إلى آخره ـ لكنّه تسامح في قوله : «فلا ريب في صحّة العمل به» ، ويمكن التكلّف في تصحيح ترتّب العمل على الأحكام الاصوليّة أيضا فتدبّر.
٧٩ ـ قوله : والعجب ممّا ذكره في الترجيح عند تعارض العقل والنقل كيف يتصوّر الترجيح في القطعيّين وأيّ دليل على الترجيح المذكور. (ص ١٨)
أقول : قد مرّ سابقا انّه يريد معارضة الدليل العقلي والدليل النقلي لا القطع الحاصل منهما حتى يكون محلّا للتعجّب ، ولعلّ دليله على الترجيح المذكور ما مرّ سابقا أيضا من أنّ سلوك الطريق الشرعي يؤمن المكلّف من ترتّب العقاب عليه وإن كان مخطئا بخلاف سلوك الطريق العقلي مع وجود الطريق الشرعي الكذائي ، فإنّه إن أخطأ يصحّ العقاب عليه. ولا يخفى أنّ ذلك أيضا رجوع إلى حكم العقل الذي فيه الكلام ، إلّا أن
