من حيث كان كل واحد منهما غير مبيّن ، ويبين ذلك إسكانه الياء من" نجّي" ، ولو كان فعلا ماضيا مبنيّا للمفعول به ، لكان" نجي" مفتوح الآخر ، فإسكان الياء يدل على أنه فعل مضارع ، وأنه يريد" ننجي" ، كما قرأه غيره. ومما يؤكد ذلك ويوضحه نصب" المؤمنين" ولو كان على ما لم يسمّ فاعله لوجب أن يرتفع.
فإن قيل : إنه يسند الفعل إلى المصدر ويضمره ؛ لأن الفعل دلّ عليه ، كما قال الشاعر :
|
ولو ولدت [قفيرة](١) جرو كلب |
|
لسبّ بذلك الجر والكلابا (٢) |
أراد : لسبّ السبّ ، فأضمره لدلالة الفعل عليه ، فإن ذلك مما يجوز في ضرورة الشعر لا في حال الاختيار والسّعة ، والقراءة لا تحمل على الضرورات.
فإن قيل : إنه في الخطّ بنون واحدة؟
قلت : إنما حذفت النون من الخطّ ؛ كراهية لاجتماع صورتين متّفقتين ، كما كتبوا : الدّنيا والعليا بألف ؛ كراهة اجتماع ياءين ، ولو لا الياء التي قبل الألف لكتبوها بالياء ، كما كتبوا : بهمى وحبلى وأخرى ونحو ذلك.
وهذا الذي ردّه الزجاج وأبو علي من الإعراب هو الوجه الذي نحله القراء وأكثر النحويين الذين تغلغلوا في تصحيح هذه القراءة ، وقد قالوا في تعليلها وجوها بعيدة ، منها : أنهم قالوا : " نجّي" فعل مضارع أصله : ننجي ، فحذفت النون الثانية كما تحذف إحدى التاءين من" تتذكر" ، وقيل : أبدلوا من النون جيما ، وقيل :
__________________
(١) في ب : ففيرة. والمثبت من المصادر التالية. وقفيرة : اسم أم الفرزدق.
(٢) البيت لجرير. ولم أقف عليه في ديوانه. انظر : خزانة الأدب (١ / ٣٣٧) ، والخصائص (١ / ٣٩٧) ، وشرح المفصل (٧ / ٧٥) ، وهمع الهوامع (١ / ١٦٢) ، والحجة للفارسي (٣ / ١٦٠).
![رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4307_rumuz-alkunuz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
