الحسن البصري (١).
فإن قيل : الآية دلت على إنجاء الذين ينهون عن السوء فقط ، وهذه الفرقة لم تنههم عن السوء؟
قلت : قد نهوهم عن السوء زمانا ، ولم يسكتوا حتى يئسوا وعلموا أن الوعظ لا ينجع فيهم ولا ينفع ، فسقط عنهم وجوبه ، إذ لا فائدة فيه ، ألا ترى أنك لو رأيت رجلا مصرّا على معصية قد خامرت عقله وأشربتها نفسه وصارت ديدنا له لا يراها عارا وشنارا ، بل ربما عدّ تلبّسه بها شرفا وفخارا ؛ لكونه يبسط ويقبض ، ويرفع ويخفض ، ويولي ويعزل ، ويركب وينزل ، على ما هي عادة الطغاة من الولاة الظلمة الفجرة المتلبسين بسخط الله المغمورين بغضبه ، فأمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر مرارا فلم يعرج على عظتك ، وأعارك أذنا صما ، وعينا عميا ، فإن عامة العقلاء يعدونك بمعاودته بعد اليأس من صلاحه عابثا ، واضعا للمواعظ في غير مواضعها ، معرضا نفسك لما لا يحل من العذاب والهوان والأذى ، فإن أحسن إليك ذلك المستهتر المتهالك ولم يودك بذلك انخذل بتقبيحك له ما لا مزيد على استحسانه عنده سفيها ، كما قال قوم شعيب : (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود : ٨٧].
فإن قيل : هل تجد في الكتاب العزيز ما يدلك على أنهم لم يعذبوا؟
قلت : نعم ، قوله عزوجل : (فَلَمَّا عَتَوْا) عما (نُهُوا عَنْهُ) وهذه الفرقة لم تكن عاتية. وقوله عزوجل : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) وهؤلاء لم
__________________
(١) الوسيط (٢ / ٤٢١).
![رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٢ ] رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4305_rumuz-alkunuz-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
