والجواب : أنّه يتصل كما يتصل تفصيل الجملة بعضه ببعض ؛ لأنه لّما وصف نفسه تعالى بما يدلّ به على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم ؛ إذ بهما يصحّ الفعل على جهة الإحكام والإتقان. ووجه آخر : وهو أنّه دلّ على أنّه عالم بجميع ما فعله وبما يؤول إليه حاله (١).
فصل :
وممّا يسأل عنه أن يقال : هل يوجب (ثُمَ) في قوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) أن يكون خلق السّماء بعد الأرض؟ قيل : لا يوجب من قبل أنّ قوله : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ) إنّما يدلّ على أنّه جعلها سبعا بعد ما خلق الأرض ، وقد كانت السّماء مخلوقة كما قال أهل التّفسير (٢) أنّها كانت قبل دخانا ، وقال الأخفش (٣) : هو كما تقول للصّانع : اعمل هذا الثّوب ، وإنّما معك غزل ، وقد اعترض قوم من الجهّال في هذا فقالوا (٤) : إذا كان قوله : (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ) [فصلت : ٩] (وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) [فصلت : ١٠] إلى قوله : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) [فصلت : ١١] إلى قوله : (طائِعِينَ) [فصلت : ١١] موافقا لقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) [البقرة : ٢٩] في أنّه يوجب أنّ خلق السّماء بعد الأرض ، ثم قال في موضع آخر : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها) [النازعات : ٢٧] ثم قال : ، فأوجب هذا أن يكون خلق الأرض بعد السّماء ، فظنّوا لجهلهم أنّ هذا متناقض ، وهذا معناه بين ؛ لأنه قال : دحاها أي بسطها ، ولم يقل خلقها ، وكانت قبل دحوها ربوة مجتمعة ، ثم بسطها وأرساها بالجبال وأنبت فيها النّبات ، وأمّا علام يدلّ عليه قول ابن عباس ومجاهد في (بَعْدَ ذلِكَ) فإنها تكون بمعنى (مع). كأنّه قال : والأرض مع ذلك دحاها (٥). [٩ / و]
__________________
(١) ينظر جامع البيان : ١ / ١٨٠ ، والمحرر الوجيز : ١ / ٢١٥.
(٢) ينظر تأويل مشكل القرآن : ٦٧ ، وإيجاز البيان عن معاني القرآن : ١ / ٧٩ ، وزاد المسير : ١ / ٥٨.
(٣) لم أقف على هذا القول في معانيه ، وهو في جامع البيان : ١ / ٢٧٧ بلا نسبة.
(٤) ينظر تفسير ابن أبي حاتم : ١ / ١٠٤ ، والواضح في تفسير القرآن : ١ / ٢٢ ، ووضح البرهان : ١ / ١٢٤.
(٥) ينظر معاني القرآن للفراء : ١ / ٢٥.
