والاستيقاد (١) استفعال من الوقود ، والوقود بالضّم مصدر وقدت النّار وقودا ، والوقود بالفتح الحطب ، والنّار معروفة ، وألفها منقلبة عن واو ، وأصل منافع النّار خمسة :
الاستضاءة بها ، والإنضاج والاصطلاء والتحليل والزّجر. والإضاءة (٢) : أصله الوضوح.
يقال : ضاءت النّار ، وأضاءت لغتان ، ويقال : جلسوا حوله وحوليه تثنية حول ، وحواليه : تثنية حوال وأحواله ، وهو جمع (٣).
قال امرؤ القيس (٤) :
ألست ترى السّمّار والنّاس أحوالي
والذهاب بالشيء كالمرور به ، والظلمة معروفة ونقيضها الضّياء. والمعنى في الآية (٥) أن مثل المنافقين مثل قوم كانوا في ظلمة فأوقدوا نارا ، فلمّا أضاءت النّار ما حولها أطفأها الله وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، فالظلمة الأولى التي كانوا فيها الكفر ، واستيقادهم النّار قولهم : (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، فلمّا أضاءت لهم ما حولهم واهتدوا ، خلو إلى شياطينهم ، فنافقوا وقالوا إنّما نحن مستهزؤون ، فسلبهم الله نور الإيمان وتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون. ثم ضرب لهم مثلا آخر شبيها بهذا ، فقال :
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) [البقرة : ١٩] ، والصّيب (٦) : المطر ، والظّلمة : ظلمة الليل ، وظلمة السّحاب.
والرّعد دليل على شدّة ظلمة الصّيب وهوله. أراد : أو مثل قوم في ظلمات ليل ومطر ، فضرب الظّلمات لكفرهم مثلا ، والبرق لتوحيدهم مثلا. (أَوْ) هاهنا للإباحه ، أي : إن شبّهتهم بالمثل الأول [٦ / و] كنت مصيبا ، وإن شبهتهم بالمثلين فكذلك أيضا.
__________________
(١) ينظر اللسان : ٣ / ٤٦٦ (وقد).
(٢) ينظر اللسان : ١ / ١١٢ (ضوا)
(٣) ينظر اللسان : ١١ / ١١٦ (حول).
(٤) ديوانه : ١٤١ ، صدر البيت هو : (فقالت : سباك الله ، إنك فاضحي).
هو امرؤ القيس بن حجر بن حارث بن عمرو آكل المرار (ت ٨ ق. ه). ينظر شرح القصائد الطوال الجاهليات : ٣ ـ ٤ ، وطبقات فحول الشعراء : ١ / ٥١ ، وشرح الأشعار الستة الجاهلية : ١ / ٤١.
(٥) ينظر : جامع البيان ١ / ٢٠٥٥ ، واللسان : ٥ / ١٤٨ ، (كفر) ، وتفسير القرآن العظيم : ١ / ٥٧.
(٦) اللسان : ١ / ٥٣٤ (صوب).
