حكم العقل يدعى القطع بأن الله ـ تعالى ـ خاطبه بلسان العقل فكيف يجوز العمل بالظن بخطاب الله ـ تعالى ـ ولا يجوز العمل مع اليقين به.
فان كان ولا بد من المناقشة فليمنع حصول هذا القطع وذلك بعيد عن السداد اذ لم يدل دليل على امتناعه فاذا ادعاه فكيف نكذبه نعم لا نمنع تفاوت الافهام وندرة المواضع.
وبالجملة لا وجه للاشكال فى كون دليل العقل مثبتا للحكم الشرعى.
مع انه متفق عليه عند اصحابنا فانهم يصرحون فى الكتب الاصولية والفقهية ان من ادلة الشرع هو العقل ثم يذكرون فى اقسام الادلة العقلية ما يستقل به العقل ـ كقضاء الدين ورد الوديعة وترك الظلم ـ وينادى بذلك قولهم فى الكتب الكلامية بوجوب اللطف على الله ـ تعالى ـ وتفسيرهم اللطف بما يقرب من الطاعة ويبعد عن المعصية. وجعلوا من اللطف ارسال الرسل وانزال الكتب وليس معنى ذلك إلّا ان العقل يدرك الاحكام الشرعية من العدل ورد الامانة وامثال ذلك.
وقد اورد على هذا القسم من الادلة العقلية وجوه من الاعتراض لا يليق كثير منها بالذكر واقواها امور :
احدها قوله ـ تعالى ـ : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). فانها تدل على نفى التعذيب الا بعد بعث الرسول وتبليغه فلا يكون ما حكم العقل بوجوبه او حرمته واجبا او حراما شرعيا. ورد بأن الواجب ما يستحق تاركه العقاب والحرام ما يستحق فاعله العقاب ولا ملازمة بين الاستحقاق وفعلية الجزاء.
والتحقيق فى الجواب عن الآية انها من قبيل قوله ـ تعالى ـ : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ). (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها). ـ ونحو ذلك ـ. فالمراد ـ والله يعلم ـ وما كنا معذبين حتى نتم الحجة ، ولا ريب ان ـ مع ادراك العقل ـ الحجة تمام.
او نقول : الرسول اعم من الرسول الباطن كما ورد ان لله ـ تعالى ـ حجتين.
