يستفاد من تلك الروايات أمور : الأول : تداول رجوع الناس إلى الفقهاء لأخذ معالم دينهم بالاستفتاء عنهم ، وقد مرّ توضيح ذلك الثاني : جواز رجوع الفقيه إلى الأفقه إذا لم يكن له طريق إلى الواقع ، كما ارجع الإمام الفقيه ابن أبي يعفور إلى الأفقه منه أعني محمد بن مسلم الثقفي كما مر ، وما أوضحنا حاله من انه يحرم على من له قوة الاستنباط الرجوع إلى الغير وان تمام الموضوع لعدم جواز الرجوع وجود نفس تلك القوة ، لا ينافى مع ما ذكر في الرواية لأن ما ذكرنا انما فيما إذا كان للجاهل القادر على الاستنباط طريق إلى الواقع كما في هذه الأعصار ، حيث جاءت الروايات مدونة ومجتمعة في الأصول والجوامع ، واما إذا لم يكن له طريق إلى الواقع لأجل تشتت الروايات وعدم تدونها في جامع أو جوامع ، كعصر ابن أبي يعفور ، فلا مناص إلى الرجوع الا إلى الأفقه ، مع احتمال ان رجوع ابن أبي يعفور إلى الثقفي لأخذ الحديث غير انه كان له النّظر والاجتهاد فيما يسمعه. الثالث : انه يجوز الرجوع إلى الفقيه مع وجود الأفقه ، لكن يمكن ان يقال : ان الرجوع إلى الفقيه مع وجود الأفقه ، لعله كان لأجل عدم التمكن منه ، كما يظهر من نفس الروايات على ان البحث انما هو فيما إذا علم تخالفهما في الرّأي تفصيلا أو إجمالا ، واستفادة جواز الرجوع إليه في هذه الحالة مشكل ، لعلة الاختلاف بين فقهاء الأصحاب في تلك الأعصار فان المراجع في تلك الروايات كانوا بطانة علوم الأئمة ومهبط أسرارهم ، كما أوضحنا حالها فتلخص انه لم يقم دليل على جواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الفاضل وعرفت ان مقتضى الأصل عدم الجواز.
الاستدلال على لزوم الرجوع إلى الأعلم
استدل القائلون به بوجوه : منها : الإجماعات المنقولة التي لا قيمة لها في مثل تلك المسألة العقلية التي تضاربت فيها الأقوال والآراء مع تراكم الأدلة ومنها الاخبار التي منها المقبولة ، وقد عرفت ان القائل بجواز الرجوع إلى المفضول تمسك بإطلاق صدرها والقائل بتعين الفاضل تمسك بما في الذيل من نفوذ حكم الأفقه عند تعارضه مع حكم الفقيه ، فنفوذ حكمه متعينا يستلزم لنفوذ فتواه كذلك في المسألة
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
