امر طبيعي ، وهو ان نظام الدنيا والمعاش وان كان يمنع عن نفر الجميع ، إلّا انه لما ذا لا ينفر عدة منهم للتفقه ، فظاهرها هو كون الغاية من النفر ، هو التفقه ، هذا مع قطع النّظر عن الروايات ، نعم يمكن الخدشة في الباقي ، فان دعوى كون ما ينذر به ، من جنس ما يتفقه فيه ، ممنوعة ، لأن الإنذار ببيان الأحكام الشرعية ضمني ، وهذا بخلاف الإنذار ، بإيراد المواعظ ، وبيان درجات أهل الجنة ودركات أهل النار فان ذلك يزعزع القلوب ، ويملؤها من خشية الله ، فإذا خافوا يرشدهم عقلهم إلى تحصيل المؤمّن من العقاب ، وليس المؤمّن عنده إلّا العلم بشرائطه وأحكامه مقدمة للعمل بها والحاصل ان النفر له غايتان : التفقه في الدين ، وإنذار القوم وموعظتهم ، فللفقيه وظيفتان ، فهم أحكامه وإنذار قومه بما أنذر الله به ولا دليل على كون ما أنذر من جنس ما تفقه فيه ولعل إلزام الفقيه على إنذار قومه ، لأجل كون الفقيه أعرف بحدود ما ينذر به ، وشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أضف إليه ان لكلامه تأثيرا في القوم ، لعلوّ كعبه ، وعظم مقامه لديهم.
كما ان تخصيص التفقه في الدين ، بالفروع تخصيص بلا جهة ، لأن الدين يطلق على أصوله وعروقه كما في قوله تعالى : ان الدين عند الله الإسلام ويظهر أيضا من الروايات عموميته كما سيوافيك وعليه فلا يمكن القول بوجوب قبول قوله تعبدا لعدم حجية قوله في الأصول إلّا ان يقال ان الإطلاق مقيد بإفادة العلم في الأصول ، بحكم العقل والأدلة.
نعم ظاهر الآية يعطى ثبوت الأمر الخامس ، وهو كون المنذر كل واحد من النافرين إلّا انه يدل على ان لكل واحد منهم إنذار القوم جميعا ، لا بعض القوم ، كما هو مبنى الاستدلال (فحينئذ) يسقط الآية عن الدلالة ، لأنه ربما يحصل العلم بإنذار المنذرين جميع القوم ، ولا يدل على وجوب القبول من كل واحد تعبدا وان لم ينضم إليه الآخرون ، كما ان حمل الحذر على قبول قول الغير والعمل بمقتضاه ، خلاف الظاهر ، فانه ظاهر في الحذر بمعنى الخوف القلبي الحاصل من إنذار الناذرين.
والعمدة انه لا إطلاق للآية الكريمة ضرورة انها بصدد بيان كيفية النفر وانه
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
