على ان كل واحد اعتمد على رواية غافلا عما يرويه الآخر ، بعيد جدا ، مع كونهما معاصرين مجتمعين في النّظر في حقهما :
منها : الروايات العلاجية التي أوضحها دلالة على ما نرتئيه ، أعني ما يدل على عرض الروايات على الكتاب والسنة واخبار العامة فانه من أظهر مصاديق الاجتهاد.
منها ما دل على حرمة الفتوى بغير علم فيدل على جوازه معه ، وليس الفتوى الا الاجتهاد واستفراغ البال في فهم الأحكام ونشرها بين الناس.
منها : ما كتبه الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام إلى قثم بن عباس حين ما ولاه : واجلس لهم العصرين فأفت المستفتى وعلّم الجاهل وذاكر العالم ، فهذه نماذج مما وردت ووقفنا عليه ، كلها تدل بلسان واحد ، على وجود الاجتهاد في تلك الأعصار ، وان امر فضلاء الرّواة لم يكن يوم ذاك منحصرا بنقل الرواية من دون إمعان واجتهاد.
واما ما يدل على إرجاع الأئمة شيعتهم على فقهاء أعصارهم فروايات كثيرة :
منها : المقبولة المتقدمة : فانه يظهر من ملاحظة صدرها ان اختلاف المترافعين في الدين والميراث كان بالجهل بالحكم الشرعي ، فيدل حجية قوله في القضاء في الشبهات الحكمية على حجية فتواه للتلازم الواضح بين الأمرين. ومثله مشهورة أبي خديجة حسب ما قررناه سابقا.
منها : ما يدل على مفروغية لزوم الرجوع إلى فقهاء البلدان وعلماء الأمصار غير ان الراوي كان بصدد تشخيصه ، وتعيين الإمام إياه مثل ما عن علي بن المسيب قال قلت للرضا : شقتي بعيدة ، ولست أصل لك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني قال من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا قال علي بن المسيب فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم فسألته عما احتجت إليه ، وما رواه الكشي بإسناده عن شعيب العقرقوفي قال قلت : لأبي عبد الله : ربما احتجنا ان نسأل عن الشيء فممن نسأل قال عليك بالأسدي يعنى أبا بصير ونظيره قوله لابن أبي يعفور بعد السؤال عمن يرجع إليه إذا احتاج أو سئل عن مسألة : فما يمنعك عن الثقفي يعنى محمّد بن مسلم.
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
