الذين هذه سيرتهم ، وتلك كيفية أخذهم الأحكام عن أئمتهم ، فكان رجوع الجاهل إلى العلماء في ذلك الزمان من رجوع الجاهل إلى العالم بالعلم الوجداني ، الحاصل لهم من مشافهة الأئمة من دون اجتهاد ولا إعمال نظر ، واما رجوع الجاهل في أعصارنا فانما هو إلى العلماء الذين عرفوا الأحكام من طرق الأمارات والظنون الاجتهادية فليس هذا من ذاك.
وان شئت قلت : ان الفقه في هذه الأعصار أخذت لنفسه صورة فنية وجاءت على طراز سائر العلوم العقلية الفكرية بعد ما كان في أعصارهم من العلوم الساذجة ، المبنية على سماع الأحكام من الأئمة وبثها بين الناس ، من دون ان يجتهد في تشخيص حكم الله أو يرجح دليلا على الآخر ، أو يقيد ويخصص واحدا بالآخر ، إلى غير ذلك من الأصول الدارجة في زماننا ، فلم يكن الرجوع إلى مثل علمائنا في أعصارهم مرسوما حتى يستكشف من عدم ردعه رضاهم وانما حدث ذلك بعد ممر الزمان ، ومضى الدهور ، ولم يرد دليل على مضى كل المرتكزات الا ما خرج بالدليل حتى نأخذ به ، وليس لبناء العقلاء في ذلك الباب إطلاق أو عموم حتى نتمسك به ، بل لا بد ان يتصل كل فرد من هذه الأمور العقلائية إلى زمانهم عليهمالسلام ولم يكن الرجوع إلى مثل تلك العلماء والاجتهادات والترجيحات موجودا في أعصارهم حتى نستدل بعدم ردعهم إمضاءهم ورجوع الجاهل في أيامنا إلى العلماء وان كان ارتكازيا لهم ، إلّا انه لا يفيد كونه ارتكازيا ما لم يتصل بزمانهم.
ومن ذلك يظهر انه لا يجوز الاستدلال على جواز التقليد في هذه الأعصار بالروايات التي ارجع الإمام فيها ، شيعته إلى نظراء من سبق منا ذكرهم ، بتقريب ان الجامع بينهم ، انما هو علمهم بالاحكام ، للفرق الواضح بينهم ، فانهم كانوا يعرفون الصحيح من الزائف ، والصادق عن الكاذب ، والصادر لأجل الحكم الواقعي عن الصادر تقية ، لأجل الممارسة والمعاشرة ، طيلة سنين ، واما فقهاء الأعصار فهم عاملون بما هو الوظيفة الفعلية سواء كانت مطابقة للواقع أو خالفه ، إلى غير ذلك من الفروق.
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
