قضى به لازم الإطاعة ، ولا يجوز التخلف عنه ، وهذه المناصب قد تجتمع في شخص واحد كما في نفس الرسول وأوصيائه وربما يجعل الحكومة لشخص ، فيجب إطاعة قوله فيما يرجع إلى شئون السلطنة دون ما يرجع إلى شئون القضاوة ويجعل القضاوة لشخص آخر فيتبع قوله في شئونها من فصل الخصومة ، وربما يكون شخص واحد قاضيا وحاكما والحاصل ان هذه مناصب ثلاثة ، ولكل واحد آثار والرسول مع انه نبي ورسول ، ومبلغ سلطان حاكم يجب إطاعته في شئون الخلافة والسلطنة الإلهية ، وقاض يتبع قضائه في مختلف الأمور ، وإليه ينظر قوله سبحانه : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (النساء ـ ٦٥) وسوف يوافيك البحث عن هذه المناصب عند البحث عن النيابة العامة للفقيه في محالها فانتظر.
الأمر الثاني : إذا عرفت المناصب الثلاثة ووقفت على آثارها فاعلم : ان كلما ورد في الروايات من الرسول ووصيه من انه قضى أوامر ، فهو ظاهر في انه قضى به أوامر به ، بما انه انه قاضي الأمة ، وسائسها لا بما انه مبلغ الأحكام وناشرها حتى يكون إرشادا إلى امره وحكمه تعالى فان ذلك خلاف ظاهر اللفظ فلا يؤخذ حتى يقوم عليه القرينة (وبالجملة) إذا جاء في الأثر الصحيح ان الرسول امر به وحكم ، أو قضى وأبرم فهو ظاهر في امر الرسول نفسه وحكمه وقضائه بما ان له مناصب الحكومة والقضاوة لا بما انه مبلغ للحرام والحلال ، لما عرفت من انه ليس للرسول وأوصيائه امر في أحكامه وحلاله وحرامه تعالى وليس ذا امر ونهى ، ولا ذا بعث وزجر ، فلو قال الراوي انه صلىاللهعليهوآله امر وقضى اقتضى ظهور اللفظ ان الأمر امره والقضاء قضائه يجب الأخذ به ولا يعدل إلى غيره من الإرشاد إلى امره تعالى إلّا بدليل.
ويرشد إلى هذا انك قلما تجد أمثال هذه التعابير (قضى ، امر ، حكم) في غير الرسول والأمير ، ممن حالت الأعداء بينهم وبين مناصبهم الشرعية من السلطنة والقضاوة ولم يساعد الزمان على قضائهم وحكومتهم ، ولكن تجدها كثيرا في الأثر المنقول من الرسول ووصيه عليهماالسلام و(عليه) فلو دل دليل على ان المراد من قوله : قضى أوامر ، هو الإرشاد إلى حكمه تعالى وامره ، وحلاله وحرامه فتأخذ.
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
