الحال من (ذلِكَ) أو من (الْكِتابُ) والعامل (فِيهِ) على كلا التقديرين اسم الإشارة ، وأن يكون حالا ، ومن الضمير في (فِيهِ) والعامل ما في الجار والمجرور من معنى الفعل وجعله حالا مما تقدم : إما على المبالغة كأنه نفس الهدى أو على حذف مضاف أي : ذا هدى أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل ، وهكذا كل مصدر وقع خبرا أو صفة أو حالا فيه الأقوال الثلاثة ، أرجحها الأول. وأجازوا أن يكون (فِيهِ) صفة لريب فيتعلق بمحذوف ، وأن يكون متعلقا بريب ، وفيه إشكال لأنه يصير مطولا ، واسم (لا) إذا كان مطولا أعرب إلا أن يكون مرادهم أنه معمول لما دل عليه (رَيْبَ) لا لنفس (رَيْبَ).
وقد تقدم معنى «الهدى» عند قوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) و «هدى» مصدر على فعل قالوا : ولم يجئ من هذا الوزن في المصادر إلا : سرى وبكى وهدى ، وقد جاء غيرها وهو : لقيته لقى قال :
|
١٠٨ ـ وقد زعموا حلما لقاك ولم أزد |
|
بحمد الّذي أعطاك حلما ولا عقلا (١) |
والهدى فيه لغتان : التذكير ولم يذكر اللحياني (٢) غيره ، وقال الفراء : «بعض بني أسد (٣) يؤنثه فيقولون : هذه هدى».
و «في» معناها الظرفية حقيقة أو مجازا نحو : زيد في الدار (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)(٤) ولها معان أخر : المصاحبة نحو : (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ)(٥) والتعليل : «أن امرأة دخلت النار في هرة» (٦) وموافقة «على» (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)(٧) ، والباء : (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)(٨) أي بسببه والمقايسة (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ)(٩).
والهاء في «فيه» أصلها الضم كما تقدم من أن هاء الكناية أصلها الضم ، فإن تقدمها ياء ساكنة أو كسرة كسرها غير الحجازيين ، وقد قرأ حمزة (١٠) : (لِأَهْلِهِ امْكُثُوا)(١١) ، وحفص (١٢) في (عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ)(١٣) ، (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا)(١٤) بلغة الحجاز والمشهور فيها ـ إذا لم يلها ساكن وسكن ما قبلها نحو : فيه ومنه الاختلاس ويجوز الإشباع ، وبه قرأ ابن كثير (١٥) ، فإن تحرك ما قبلها أشبعت وقد تختلس وتسكن ، وقرئ ببعض ذلك كما سيأتي مفصلا.
__________________
(١) البيت من شواهد البحر (١ / ٣٣).
(٢) علي بن المبارك ـ وقيل : ابن حازم ـ أبو الحسن اللّحيانيّ من بني لحيان بن هذيل بن مدركة ، وقيل : سمي به لعظم لحيته وممن أخذ عنه القاسم بن سلام وله النوادر المشهورة. بغية الوعاة (٢ / ١٨٥).
(٣) ذكر ذلك الفراء في المذكر والمؤنث (٨٧) ، عن بني أسد لا عن بعضهم.
(٤) سورة البقرة ، آية (١٧٩).
(٥) سورة الأعراف ، آية (٣٨).
(٦) أخرجه البخاري (٤ / ١٥٧) ، ومسلم في البر والصلة باب (٣٧) رقم (١٣٥) ، وفي التوبة باب (٤) رقم (٢٥) ، والبخاري أيضا في التاريخ (٧ / ٣٢٦) ، وابن حجر في المطالب العالية (٣٨٩٢) ، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٥٥١) ، والبيهقي في السنن الكبرى (٨ / ١٤) ، الدارمي (٢ / ٣٣١) ، الترغيب (٣ / ٢٠٩).
(٧) سورة طه ، آية (٧١).
(٨) سورة الشورى ، آية (١١).
(٩) سورة التوبة ، آية (٣٨).
(١٠) حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل التيمي الزيات أحد القرّاء السبعة كان من موالي التيم فنسب إليهم ، توفي سنة ١٥٦ ه. تهذيب التهذيب (٣ / ٢٧) ، وفيات الأعيان (١ / ١٦٧) ، الأعلام (٢ / ٢٧٧).
(١١) سورة طه ، آية (١٠).
(١٢) حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي بالولاء ، أبو عمر ، ويعرف بحفيص قارئ أهل الكوفة كان أعلم أصحاب عاصم بقراءته وهو ابن امرأته وربيبه ومن طريقه قراءة أهل المشرق. النشر (١ / ١٥٦) ، غاية النهاية (١ / ٢٥٤) ، تهذيب التهذيب (٢ / ٤٠٠) ، الأعلام (٢ / ٢٦٤).
(١٣) سورة الفتح ، آية (١٠).
(١٤) سورة الكهف ، آية (٦٣).
(١٥) عبد الله بن كثير الداري المكي أبو معبد : أحد القراء السبعة كان قاضي الجماعة بمكة ، توفي بمكة سنة ١٢٠ ه. وفيات الأعيان (١ / ٢٥٠) ، الأعلام (٤ / ١١٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)