و (لِلْمُتَّقِينَ) جار ومجرور متعلق ب (هُدىً). وقيل : صفة لهدى فيتعلق بمحذوف ومحله حينئذ : إما الرفع أو النصب بحسب ما تقدم في موصوفه أي : هدى كائن أو كائنا للمتقين. والأحسن من هذه الوجوه المتقدمة كلها أن تكون كل جملة مستقلة بنفسها ف (الم) جملة إن قيل : إنها خبر مبتدأ مضمر ، وذلك الكتاب جملة ، ولا ريب جملة ، وفيه هدى جملة ، وإنما ترك العاطف لشدة الوصل ، لأن كل جملة متعلقة بما قبلها أخذه بعنقها تعلقا ، لا يجوز معه الفصل بالعطف.
قال الزمخشري ما معناه : فإن قلت : لم لم يتقدم الظرف على الريب كما قدم على «الغول» في قوله تعالى : (لا فِيها غَوْلٌ)(١) قلت : لأن تقديم الظرف ثم يشعر بأن غيرها فيه ما نفى عنها ، فالمعنى : ليس فيها غول كما في خمور الدنيا ، فلو قدم الظرف هنا لأفهم هذا المعنى ، وهو أن غيره من الكتب السماوية فيه ريب وليس ذلك مقصودا ، وكان هذا الذي ذكره أبو القاسم الزمخشري بناء منه على التقديم يفيد الاختصاص ، وكان المعنى أن خمرة الآخرة اختصت بنفي الغول عنها بخلاف غيرها ، وللمنازعة فيه مجال.
وقد رام بعضهم (٢) الرد عليه بطريق آخر ، وهو أن العرب قد وصفت أيضا خمر الدنيا بأنها لا تغتال العقول ، قال علقمة :
|
١٠٩ ـ تشفي الصّداع ولا يؤذيك صالبها |
|
ولا يخالطها في الرّأس تدويم (٣) |
وما أبعد هذا من الرد عليه إذ لا اعتبار بوصف هذا القائل.
فإن قيل : قد وجد الريب من كثير من الناس في القرآن ، وقوله تعالى : (لا رَيْبَ فِيهِ) ينفي ذلك فالجواب من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المنفي كونه متعلقا للريب بمعنى أن معه من الأدلة ما إن تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه ، ولا اعتبار بريب من وجد منه الريب ، لأنه لم ينظر حق النظر فريبه غير معتد به.
والثاني : أنه مخصوص ، والمعنى : لا ريب فيه عند المؤمنين.
والثالث : أنه خبر معناه النهي أي لا ترتابوا فيه. والأول أحسن.
و «المتقين» جمع متق ، وأصله متقيين بياءين ؛ الأولى : لام الكلمة ، والثانية : علامة الجمع ، فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة وهي الياء الأولى فحذفت ، فالتقى ساكنان فحذف إحداهما وهي الأولى ، ومتق من اتقى يتقي وهو مفتعل من الوقاية ، إلا أنه يطرد في الواو والياء إذا كانا فاءين ووقعت بعد هما تاء الافتعال أن يبدلا تاء نحو : اتعد من الوعد ، واتسر من اليسر ، وفعل ذلك بالهمزة شاذ قالوا : اتزر واتكل من الإزار والأكل.
ولا فتعل اثنا عشر معنى : الاتخاذ نحو : اتقى والتسبب نحو : اعتمل وفعل الفاعل بنفسه نحو : اضطرب والتخير نحو : انتخب ، والخطف نحو : استلب ، ومطاوعة أفعل نحو : انتصف مطاوع أنصف ، ومطاوعة فعل نحو : عممته فاعتم وموافقة تفاعل وتفعل واستفعل نحو : اجتور واقتسم واعتصر بمعنى تجاور وتقسم واستعصم ، وموافقة المجرد نحو : اقتدر بمعنى قدر ، والإغناء عنه نحو : استلم الحجر لم يلفظ له بمجرد.
__________________
(١) سورة الصافات ، آية (٤٧).
(٢) أبو حيان رحمهالله. انظر البحر المحيط (١ / ٣٧).
(٣) انظر ديوانه (٦٩) ، البحر (١ / ٣٧) ، المفضليات (٤٠٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)