والأصل في هاء الكناية الضم ، فإن تقدمها ياء ساكنة أو كسرة كسرها غير الحجازيين نحو : عليهم وفيهم وبهم ، والمشهور في ميمها السكون قبل متحرك ، والكسر قبل ساكن هذا إذا كسرت الهاء ، أما إذا ضمت فالكسر ممتنع إلا في ضرورة كقوله : «وفيهم الحكام» بكسر الميم.
وفي «عليهم» عشر لغات قرئ ببعضها (١) : عليهم بكسر الهاء وضمها مع سكون الميم عليهمي عليهم عليهمو : بكسر الهاء وضم الميم بزيادة الواو عليهمي بضم الهاء وزيادة ياء بعد الميم ، أو بالكسر فقط عليهم بكسر الهاء وضم الميم ذكر ذلك أبو بكر ابن الأنباري (٢).
وغير بدل من «الذين» بدل نكرة من معرفة ، وقيل : نعت للذين وهو مشكل ، لأن «غير» نكرة و «الذين» معرفة ، وأجابوا عنه بجوابين :
أحدهما : أن «غير» إنما يكون نكرة إذا لم يقع بين ضدين ، فأما إذا وقع بين ضدين فقد انحصرت الغيرية فيتعرف «غير» حينئذ بالإضافة ، تقول : مررت بالحركة غير «السكون» ، والآية من هذا القبيل ، وهذا إنما يتمشى على مذهب ابن السراج وهو مرجوح.
والثاني : أن الموصول أشبه النكرات في الإبهام الذي فيه فعومل معاملة النكرات ، وقيل : إن «غير» بدل من الضمير المجرور في «عليهم» ، وهذا يشكل على قول من يرى أن البدل يحل محل المبدل منه ، وينوي بالأول الطرح إذ يلزم منه خلو الصلة من العائد ألا ترى أن التقدير يصير : صراط الذين أنعمت على غير المغضوب عليهم.
و (الْمَغْضُوبِ) خفض بالإضافة وهو اسم مفعول والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور ف (عَلَيْهِمْ) الأولى : منصوبة المحل ، والثانية : مرفوعته وأل فيه موصولة والتقدير : غير الذين غضب عليهم ، والصحيح في أل الموصولة أنها اسم لا حرف.
واعلم أن لفظ «غير» مفرد مذكر أبدا ، إلا أنه إن أريد به مؤنث جاز تأنيث فعله المسند إليه ، تقول : قامت غيرك وأنت تعني امرأة ، وهي في الأصل صفة بمعنى اسم الفاعل وهو مغاير ، ولذلك لا يتعرف بالإضافة ، وكذلك أخواتها أعني نحو : مثل وشبه وشبيه وخدن وترب ، وقد يستثنى بها حملا على «إلا» كما يوصف بإلا حملا عليها ، وقد يراد بها النفي ك «لا» ، فيجوز تقديم معمول معمولها عليها ، كما يجوز في «لا» تقول : أنا زيدا غير ضارب ، أي غير ضارب زيدا ومنه قول الشاعر :
|
٨١ ـ إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته |
|
على التّنائي لعندي غير مكفور (٣) |
__________________
(١) انظر الكشاف (١ / ٣٥).
(٢) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسين بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطين بن دعامة ، الإمام أبو بكر بن الأنباري النحوي اللغوي ، توفي ليلة النحر من ذي الحجة سنة ثمان ، وقيل : سبع وعشرين وثلاثمائة ببغداد. البغية (١ / ٢١٤).
(٣) البيت لأبي زبيد الطائي يمدح الوليد بن عقبة وصف نعمة اختصه بها مودة على تنائيه الكتاب (١ / ١٣٤) ، شرح المفصل لابن يعيش (٨ / ٦٥) ، المغني (٢ / ٦٧٦) ، الهمع (١ / ١٣٩) (٩٠٧) ، الأشموني (٢ / ٢٨٠) ، رصف المباني (١٢٢) ، الأنصاف (٤٠٤) ، شرح شواهد المغني (٣٢٢) ، والتنائي : البعد. ومكفور : مجحود. وأراد : حفنى بمودته. فنزع الخافض وأوصل الفعل فنصب. والشاهد فيه دخول اللام على الظرف الذي هو عندي والظرف يتعلق بمكفور ، لكنه لما تقدم عليه حسن دخول اللام عليه والمعنى على التنائي لغير مكفور عندي والمراد لا أجحد مودة من ودني غائبا أفاده ابن يعيش.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)