من فعلي العبادة والاستعانة فلم يذكر لهما مفعولا ليتناولا كل معبود به ، وكل مستعان عليه أو يكون المراد وقوع الفعل من غير نظر إلى مفعول نحو : (كُلُوا وَاشْرَبُوا)(١) أي : أوقعوا هذين الفعلين.
(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)(٦)
قوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّراطَ) إلى آخرها : اهد : صيغة أمر ومعناها الدعاء ، وهذه الصيغة ترد لمعان كثيرة ذكرها الأصوليون.
وقال بعضهم : إن وردت صيغة أفعل من الأعلى للأدنى قيل فيها أمر وبالعكس دعاء ، ومن المساوي التماس. وفاعله مستتر وجوبا لما مر أي : اهد أنت ونا مفعول أول ، وهو ضمير متصل يكون للمتكلم مع غيره ، أو المعظم نفسه ، ويستعمل في موضع الرفع والنصب والجر بلفظ واحد : نحو : قمنا وضربنا زيد ومر بنا ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيره من الضمائر.
وقد زعم بعض الناس أن الياء كذلك. تقول : أكرمني ومر بي وأنت تقومين يا هند ، فالياء في المثال الأول منصوبة المحل وفي الثاني : مجرورته ، وفي الثالث : مرفوعته. وهذا ليس بشيء لأن الياء في حالة الرفع ليست تلك الياء التي في حالة النصب والجر ، لأن الأولى للمتكلم ، وهذه للمخاطبة المؤنثة وقيل : بل يشاركه لفظ «هم» تقول : هم نائمون ، وضربهم ومررت بهم ف «هم» مرفوع المحل ومنصوبه ومجروره بلفظ واحد ، وهو للغائبين في كل حال وهذا وإن كان أقرب من الأول إلا أنه في حالة الرفع ضمير منفصل ، وفي حالة النصب والجر ضمير متصل فافترقا بخلاف «نا» فإن معناها لا يختلف ، وهي ضمير متصل في الأحوال الثلاثة.
والصراط : مفعول ثان ، والمستقيم : صفته ، وقد تبعه في الأربعة من العشرة المذكورة.
وأصل «هدى» أن يتعدى إلى الأول بنفسه ، وإلى الثاني : بحرف الجر ، وهو إما : إلى أو اللام ، كقوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ)(٢) ، (يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(٣) ، ثم يتسع فيه فيحذف الحرف فيتعدى بنفسه ، فأصل اهدنا الصراط : اهدنا للصراط ، أو إلى الصراط ثم حذف.
والأمر عند البصريين مبني ، وعند الكوفيين معرب ، ويدعون في نحو : «اضرب» أن أصله : لتضرب بلام الأمر ، ثم حذف الجازم وتبعه حرف المضارعة ، وأتى بهمزة الوصل لأجل الابتداء بالساكن ، وهذا ما لا حاجة إليه ، وللرد عليهم موضع أليق به.
ووزن اهد : افع حذفت لامه وهي الياء حملا للأمر على المجزوم ، والمجزوم تحذف منه لامه إذا كانت حرف علة.
والهداية : الإرشاد أو الدلالة أو التقدم ، ومنه هوادي الخيل لتقدمها ، قال امرؤ القيس :
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٦٠).
(٢) سورة الشورى ، آية (٥٢).
(٣) سورة الإسراء ، آية (٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)