و «إياك» واجب التقديم على عامله لأن القاعدة أن المفعول به إذا كان ضميرا لو تأخر عن عامله وجب اتصاله ، وجب تقديمه وتحرزوا بقولهم : «لو تأخر عنه وجب اتصاله» من نحو : «الدرهم إياه أعطيتك» لأنك لو أخرت الضمير هنا فقلت : «الدرهم أعطيتك إياه» لم يلزم الاتصال لما سيأتي ، بل يجوز : أعطيتكه.
والكلام في (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) كالكلام في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) والواو عاطفة ، وهي من المشركة في الإعراب والمعنى ، ولا تقتضي ترتيبا على قول الجمهور خلافا لطائفة من الكوفيين. ولها أحكام تختص بها تأتي إن شاء الله تعالى.
وأصل تستعين : نستعون مثل نستخرج في الصحيح ، لأنه من العون فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى الساكن قبلها فسكنت الواو بعد النقل وانكسر ما قبلها فقلبت ياء. وهذه قاعدة مطردة نحو : ميزان وميقات ، وهما من الوزن والوقت.
والسين فيه معناها الطلب أي : نطلب منك العون على العبادة ، وهو أحد المعاني التي ل استفعل ، وله معان أخر : الاتخاذ نحو : استعبده أي : اتخذه عبدا والتحول نحو : استحجر الطين أي : صار حجرا ومنه قوله : «إن البغاث بأرضنا تستنسر» (١) أي : تتحول إلى صفة النسور ووجود الشيء بمعنى ما صيغ منه نحو : استعظمه أي : وجده عظيما ، وعد الشيء كذلك وإن لم يكن نحو : استحسنه ومطاوعة أفعل نحو : أشلاه فاستشلى ، وموافقته له أيضا نحو : أبلّ المربض واستبلّ وموافقة تفعّل نحو : استكبر بمعنى تكبر وموافقة افتعل نحو : استعصم بمعنى اعتصم ، والإغناء عن المجرد نحو : استكف واستحيى لم يلفظ لهما بمجرد استغناء بهما عنه ، وللإغناء به عن فعل ، أي : المجرد الملفوظ به نحو : استرجع واستعان أي : رجع وحلق عانته.
وقرئ (٢) «نستعين» بكسر حرف المضارعة ، وهي لغة مطردة في حروف المضارعة ، وذلك بشرط ألا يكون حرف المضارعة ياء لثقل ذلك. على أن بعضهم قال : ييجل مضارع وجل ، وكأنه قصد إلى تخفيف الواو إلى الياء فكسر ما قبلها لتنقلب وقد قرئ (٣) : «فإنهم ييلمون» وهي هادمة لهذا الاستثناء ، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ، وأن يكون المضارع من ماض مكسور العين نحو : تعلم من علم ، أو في أوله همزة وصل نحو : نستعين من استعان ، أو تاء مطاوعة نحو : نتعلم من تعلم ، فلا يجوز في يضرب ويقتل كسر حرف المضارعة لعدم الشروط المذكورة.
ومن طريف ما يحكى أن ليلى الأخيلية من أهل هذه اللغة فدخلت ذات يوم على الحجاج وعنده النابغة الجعدي فذكرت شدة البرد في بلادها فقال لها النابغة الجعدي وعرف أنها تقع فيما أراد : فكيف تصنعون؟ ألا تكتنون في شدة البرد فقالت : بلى نكتني وكسرت النون فقال : لو فعلت ذلك لاغتسلت فضحك الحجاج ، وخجلت ليلى.
والاستعانة : طلب العون وهو المظاهرة والنصرة وقدم العبادة على الاستعانة لأنها وصلة لطلب الحاجة وأطلق كلّا
__________________
(١) انظر مجمع الأمثال (١ / ١٣) (٨) ، والبغاث : ضرب من الطير وفيه ثلاث لغات : الفتح ، والضم ، والكسر ؛ والجمع بغثان ، واستنسر : صار كالنّسر في القوة عند الصيد بعد أن كان من ضعاف الطير. وهو مثل يضرب للضعيف يصير قويا وللذليل يعزّ بعد الذل.
(٢) انظر البحر المحيط (١ / ٢٣).
(٣) انظر المصدر السابق.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)