الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ)(١) هذا وجه ، والذي يظهر لي في هذا أنّ الحسنات هي مما يكسب دون تكلّف ، إذ كاسبها على جادّة أمر الله ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ، إذ كاسبها يتكّلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ، ويتجاوز إليها فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى». وقال بعضهم (٢) : «فرق ، وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد. قال تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)(٣). وقال تعالى : (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها)(٤) وقال تعالى : (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً)(٥) ، وقال تعالى : (بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشرّ».
وقال أبو البقاء : «وقال قوم : «لا فرق بينهما ، وذكر نحوا ممّا تقدّم. وقال آخرون : «افتعل يدلّ على شدّة الكلفة. وفعل السيئة شديد لما يؤول إليه». وقال الواحدي : «الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما ، قال ذو الرمة :
|
١١٥٥ ـ ............... |
|
ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب (٦) |
قلت : وإنما أتى في الكسب باللام وفي الاكتساب ب «على» ؛ لأنّ اللام تقتضي الملك والخير يحبّ ويسرّ به ، فجيء معه بما يقتضي الملك ، ولمّا كان الشرّ يحذر وهو ثقل ووزر على صاحبه جيء معه ب «على» المقتضية لاستعلائه عليه.
وقال بعضهم : «فيه إيذان أنّ أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرّما من الله على عبده حتى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير علمه به ، لأنه من كسبه في الجملة ، بخلاف العقوبة فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدّ فيها واجتهد». وهذا مبنيّ على القول بالفرق بين البنائين وهو الأظهر.
قوله : (لا تُؤاخِذْنا) يقحرأ بالهمزة وهو من الأخذ بالذّنب ، ويقرأ بالواو ، ويحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون من الأخذ أيضا ، وإنما أبدلت الهمزة واوا لفتحها وانضمام ما قبلها ، وهو تخفيف قياسي.
ويحتمل أن يكون من : وأخذه بالواو ، قاله أبو البقاء. وجاء هنا بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد ، لأنّ المسيء قد أمكن من نفسه وطرق السبيل إليها بفعله ، فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه ، ويأخذ به على نفسه فحسنت المفاعلة. ويجوز أن يكون من باب : سافرت وعاقبت وطارقت.
وقرأ أبيّ : «ربّنا ولا تحمّل علينا إصرا» بتشديد الميم. قال الزمخشري : «فإن قلت : أيّ فرق بين هذه الشديدة والتي في «ولا تحمّلنا؟ قلت : هذه للمبالغة في حمّل عليه ، وتلك لنقل «حمله» من مفعول واحد إلى مفعولين». انتهى يعني أنّ التضعيف في الأول للمبالغة ولذلك لم يتعدّ إلا لمفعول واحد ، وفي الثانية للتعدية ، ولذلك تعدّى إلى اثنين أولهما «نا» والثاني «ما لا طاقة لنا به».
__________________
(١) سورة الطارق ، آية (١٧).
(٢) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٦٧).
(٣) سورة المدثر ، آية (٣٨).
(٤) سورة الأنعام ، آية (١٦٤).
(٥) سورة البقرة ، آية (٨١).
(٦) عجز بيت وصدره :
|
ومطعم الصيد هبال لبغيته |
|
............... |
انظر ديوانه (٩٩) ، اللسان «هبل».
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)