و «ما ضربت إلا زيدا» هذا في الصناعة هو المفعول وإن كان أصله : ما أعطيت زيدا شيئا إلّا درهما». والوسع : ما يسع الإنسان ، ولا يضيق عليه ، ولا يخرج منه.
وقرأ ابن أبي عبلة : «إلا وسعها» جعله فعلا ماضيا ، وخرّجوا هذه القراءة على أنّ الفعل فيها صلة لموصول محذوف تقديره : «إلّا ما وسعها» وهذا الموصول هو المفعول الثاني كما كان «وسعها» كذلك في قراءة العامة ، وهذا لا يجوز عند البصريين ، بل عند الكوفيين ، على أنّ إضمار مثل هذا الموصول ضعيف جدا إذ لا دلالة عليه ، وهذا بخلاف قول الآخر :
|
١١٥٢ ـ ما الّذي دأبه احتياط وحزم |
|
وهواه أطاع يستويان (١) |
وقول حسان أيضا :
|
١١٥٣ ـ أمن يهجو رسول الله منكم |
|
ويمدحه وينصره سواء (٢) |
وقد تقدّم تحقيق هذا. وهل لهذه الجملة محلّ من الإعراب أم لا؟ الظاهر الثاني لأنها سيقت للإخبار بذلك ، وقيل : بل محلّها نصب عطفا على «سمعنا» و «أطعنا» أي : وقالوا أيضا : لا يكلّف الله نفسا. وقد خرّجت هذه القراءة على وجه آخر : وهو أن تجعل المفعول الثاني محذوفا لفهم المعنى ، وتجعل هذه الجملة الفعلية في محلّ نصب صفة لهذا المفعول ، والتقدير : لا يكلّف الله نفسا شيئا إلّا وسعها. قال ابن عطية : «وفي قراءة ابن أبي عبلة تجوّز لأنه مقلوب ، وكان وجه اللفظ : إلا وسعته كما قال : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)(٣) (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً)(٤) ، ولكن يجيء هذا من باب : «أدخلت القلنسوة في رأسي».
قوله : (لَها ما كَسَبَتْ) هذه الجملة لا محلّ لها لاستئنافها وهي كالتفسير لما قبلها ؛ لأنّ عدم مؤاخذتها بكسب غيرها واحتمالها ما حصّلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما لا تسعه. وهل يظهر بين اختلاف لفظي فعل الكسب معنى أم لا؟ فقال بعضهم : نعم ، وفرّق بأنّ الكسب أعمّ ، إذ يقال : «كسب لنفسه ولغيره ، و «اكتسب» أخصّ ؛ إذ لا يقال : «اكتسب لغيره» وأنشد قول الحطيئة :
|
١١٥٤ ـ ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة (٥) |
|
............... |
ويقال : هو كاسب أهله ، ولا يقال : مكتسب أهله.
وقال الزمخشري : «فإن قلت : لم خصّ الخير بالكسب والشرّ بالاكتساب؟ قلت : في الاكتساب اعتمال ، ولمّا كان الشرّ ممّا تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به كانت في تحصيله أعمل وآجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه ، ولمّا لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال».
وقال ابن عطية : «وكرّر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام ، كما قال تعالى ؛ (فَمَهِّلِ
__________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) سورة البقرة ، آية (٢٥٥).
(٤) سورة طه ، آية (٩٨).
(٥) صدر بيت وعجزه :
|
............... |
|
فاغفر عليك سلام الله يا عمر |
انظر ديوانه (٢٠٨) ، خزانة الأدب (٣ / ٢٩٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)