فقال : «رأوك» اعتبارا بمعنى الجميع المفهوم من «أحد». وإمّا لأن ثمّ معطوفا محذوفا لدلالة المعنى عليه ، والتقدير : «لا نفرّق بين أحد من رسله وبين أحد ، وعلى هذا فأحد هنا ليس الملازم للجحد ولا همزته أصلية بل هو «أحد» الذي بمعنى واحد وهمزته بدل من الواو ، وحذف المعطوف كثير جدا نحو : (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ)(١) أي : والبرد ، وقوله :
|
١١٥١ ـ فما كان بين الخير لو جاء سالما |
|
أبو حجر إلّا ليال قلائل (٢) |
أي : بين الخير وبيني.
و (مِنْ رُسُلِهِ) في محلّ جر لأنه صفة ل «أحد» ، و «قالوا» عطف على «آمن» ، وقد تقدّم أنه حمل على معنى «كل».
قوله : (غُفْرانَكَ) منصوب : إمّا على المصدرية. قال الزمخشري : «منصوب بإضمار فعله ، يقال :
«غفرانك لا كفرانك» أي : نستغفرك ولا نكفرك» فقدّره جملة خبرية ، وهذا ليس مذهب سيبويه ، إنما مذهبه تقدير ذلك بجملة طلبية كأنه قيل : «اغفر غفرانك». ونقل ابن عطية هذا قولا عن الزجاج ، والظاهر أنّ هذا من المصادر اللازم إضمار عاملها لنيابتها عنه ، وقد اضطرب فيها كلام ابن عصفور ، فعدّها تارة مع ما يلزم فيه إضمار الناصب نحو : «سبحان الله وريحانه» ، و «غفرانك لا كفرانك» ، وتارة مع ما يجوز إظهار عامله. والطلب في هذا الباب أكثر ، وقد تقدّم لك نحو من هذا في أول الفتحة.
والمصير : اسم مصدر من صار يصير أي : رجع ، وقد تقدّم لك في قوله : (الْمَحِيضِ)(٣) أنّ في المفعل من الفعل المعتلّ العين بالياء ثلاثة مذاهب وهي : جريانه مجرى الصحيح ، فيبنى اسم المصدر منه على مفعل بالفتح ، والزمان والمكان بالكسر نحو : ضرب يضرب مضربا ، أو يكسر مطلقا ، أو يقتصر فيه على السّماع فلا يتعدّى وهو أعدلها. ويطلق المصير على المعنى ، ويجمع على مصران كرغيف ورغفان ، ويجمع مصران على مصارين.
(لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)(٢٨٦)
قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) : «وسعها» مفعول ثان. وقال ابن عطية : «يكلّف» يتعدّى إلى مفعولين ، أحدهما محذوف ، تقديره : عبادة أو شيئا».
قال الشيخ (٤) : «إن عنى أنّ أصله كذا فهو صحيح ، لأنّ قوله : «إلّا وسعها» استثناء مفرغ من المفعول الثاني ، وإن عنى أنّه محذوف في الصناعة فليس كذلك ، بل الثاني هو «وسعها» نحو : «ما أعطيت زيدا إلا درهما»
__________________
(١) سورة النحل ، آية (٨١).
(٢) تقدم.
(٣) سورة البقرة ، آية (٢٢٢).
(٤) البحر المحيط (٢ / ٣٦٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)