وقرأ يحيى بن يعمر ـ ورويت عن نافع ـ «وكتبه ورسله» بإسكان العين فيهما. وروي عن الحسن وأبي عمرو تسكين سين «رسله».
قوله : (لا نُفَرِّقُ) هذه الجملة منصوبة بقول محذوف تقديره : يقولون لا نفرّق ، ويجوز أن يكون التقدير : يقول ، يعني يجوز أن يراعى لفظ «كل» تارة ومعناها أخرى في ذلك القول المقدر ، فمن قدّر «يقولون» راعى معناها ، ومن قدّر «يقول» راعى لفظها ، وهذا القول المضمر في محلّ نصب على الحال ويجوز أن يكون في محلّ رفع لأنه خبر بعد خبر ، قاله الحوفي.
والعامّة على «لا نفرّق» بنون الجمع. وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة (١) ويعقوب ، ورويت عن أبي عمرو أيضا : «لا يفرّق» بياء الغيبة حملا على لفظ «كل». وروى هارون (٢) أن في مصحف عبد الله «لا يفرّقون» بالجمع حملا على معنى «كل» ، وعلى هاتين القراءتين فلا حاجة إلى إضمار قول ، بل الجملة المنفية بنفسها : إمّا في محلّ نصب على الحال ، وإمّا في محلّ رفع خبرا ثانيا كما تقدّم في ذلك القول المضمر.
قوله : (بَيْنَ أَحَدٍ) متعلق بالتفريق ، وأضيف «بين» إلى أحد وهو مفرد ، وإن كان يقتضي إضافته إلى متعدد نحو : «بين الزيدين» أو «بين زيد وعمرو» ، ولا يجوز «بين زيد» ويسكت : إمّا لأنّ «أحدا» في معنى العموم وهو «أحد» الذي لا يستعمل إلا في الجحد ويراد به العموم ، فكأنه قيل : لا نفرّق بين الجميع من الرسل. قال الزمخشري : «كقوله : فما منكم من أحد عنه حاجزين» ، ولذلك دخل عليه «بين» وقال الواحدي : «وبين» تقتضي شيئين فصاعدا ، وإنما جاز ذلك مع «أحد» وهو واحد في اللفظ ، لأنّ «أحدا» يجوز أن يؤدّى عن الجميع ، قال الله تعالى : (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ)(٣) وفي الحديث : «ما أحلّت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم» (٤) يعني فوصفه بالجمع ، لأنّ المراد به جمع. قال : «وإنّما جاز ذلك لأن «أحدا» ليس كرجل يجوز أن يثنّى ويجمع ، وقولك : «ما يفعل هذا أحد» تريد ما يفعله الناس كلّهم ، فلمّا كان «أحد» يؤدّى عن الجميع جاز أن يستعمل معه لفظ «بين» وإن كان لا يجوز أن تقول : «لا نفرّق بين رجل منهم».
قلت : وقد ردّ بعضهم هذا التأويل فقال : «وقيل إنّ «أحدا» بمعنى جميع ، والتقدير : بين جميع رسله» ويبعد عندي هذا التقدير ، لأنه لا ينافي كونهم مفرّقين بين بعض الرسل ، والمقصود بالنفي هو هذا ؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرّقون بين كلّ الرسل بل البعض. وهو محمد صلىاللهعليهوسلم فثبت أنّ التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى الآية : لا نفرّق بين أحد من رسله وبين غيره في النبوة ، وهذا وإن كان في نفسه صحيحا إلا أن القائلين بكون «أحد» بمعنى جميع ، وإنما يريدون في العموم المصحّح لإضافة «بين» إليه ، ولذلك ينظّرونه بقوله تعالى : (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) ، وبقوله :
|
١١٥٠ ـ إذا أمور النّاس ديكت دوكا |
|
لا يرهبون أدا رأوكا (٥) |
__________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠ / ٣٢).
(٢) هارون بن موسى العتكي روى عنه علي بن نصر مات قبل المائتين غاية النهاية (٢ / ٣٤٨).
(٣) سورة الحاقة ، آية (٤٧).
(٤) رواه الترمذي في تفسير سورة الأعراف ، وابن حنبل (٢ / ٢٥٢) ، والطبري (١٠ / ٣٢).
(٥) البيت لرؤبة وهو من شواهد البحر (٢ / ٣٦٥) ، القرطبي (٣ / ٤٢٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)