بالجمع والباقون بالإفراد. فتلخّص من ذلك أنّ الأخوين يقرآن بالإفراد في الموضعين ، وأنّ أبا عمرو وحفصا يقرآن بالجمع في الموضعين ، وأنّ نافعا وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصم قرأوا بالجمع هنا وبالإفراد في التحريم.
فأمّا الإفراد فإنه يراد به الجنس لا كتاب واحد بعينه ، وعن ابن عباس : «الكتاب أكثر من الكتب» قال الزمخشري : «فإن قلت : كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت : لأنه إذا أريد بالواحد الجنس ، والجنسية قائمة في وحدات الجنس كلّها لم يخرج منه شيء ، وأمّا الجمع فلا يدخل تحته إلّا ما فيه الجنسية من الجموع».
قال الشيخ (١) : «وليس كما ذكر لأنّ الجمع متى أضيف أو دخلته الألف واللام الجنسية صار عامّا ، ودلالة العامّ دلالة على كلّ فرد فرد ، فلو قال : «أعتقت عبيدي» لشمل ذلك كلّ عبد له ، ودلالة الجمع أظهر في العموم من الواحد سواء كانت فيه الألف واللام أو الإضافة ، بل لا يذهب إلى العموم في الواحد إلّا بقرينة لفظية كأن يستثنى منه أو يوصف بالجمع نحو : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)(٢) «أهلك الناس الدينار الصّفر والدرهم البيض» أو قرينة معنوية نحو : «نيّة المؤمن أبلغ من عمله» وأقصى حاله أن يكون مثل الجمع العامّ إذا أريد به العموم» قلت : للناس خلاف في الجمع المحلّى بأل أو المضاف : هل عمومه بالنسبة إلى مراتب الجموع أم إلى أعمّ من ذلك ، وتحقيقه في علم الأصول.
وقال الفارسي : «هذا الإفراد ليس كإفراد المصادر وإن أريد بها الكثير كقوله تعالى : (وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً)(٣) ولكنه كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة نحو : كثر الدينار والدرهم ، ومجيئها بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة ، ومن الإضافة : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها)(٤) وفي الحديث : «منعت العراق درهمها وقفيزها» (٥) يراد به الكثير ، كما يراد بما فيه لام التعريف».
قال الشيخ (٦) : «انتهى ملخصا ، ومعناه أنّ المفرد المحلّى بالألف واللام يعمّ أكثر من المفرد المضاف».
قلت : وليس في كلامه ما يدلّ على ذلك البتة ، إنما فيه أنّ مجيئها في الكلام معرّفة بأل أكثر من مجيئها مضافة ، وليس فيه تعرّض لكثرة عموم ولا قلّته.
وقيل : المراد بالكتاب هنا القرآن فيكون المراد الإفراد الحقيقي. وأمّا الجمع فلإرادة كلّ كتاب ، إذ لا فرق بين كتاب وكتاب ، وأيضا فإنّ فيه مناسبة لما قبله وما بعده من الجمع.
ومن قرأ بالتوحيد في التحريم فإنما أراد به الإنجيل كإرادة القرآن هنا ، ويجوز أن يراد به أيضا الجنس. وقد حمل على لفظ «كل» في قوله : «آمن» فأفرد الضمير وعلى معناه فجمع في قوله : «وقالوا سمعنا». قال الزمخشري : «ووحّد ضمير «كل» في «آمن» على معنى : كلّ واحد منهم آمن ، وكان يجوز أن يجمع كقوله تعالى : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)(٧).
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٦٥).
(٢) سورة العصر ، آية (٢).
(٣) سورة الفرقان ، آية (٢٤).
(٤) سورة إبراهيم ، آية (٣٤).
(٥) أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٢٠) ، كتاب الفتن (٣٣ ـ ٢٨٩٦).
(٦) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٦٤).
(٧) سورة النمل ، آية (٨٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)