بجهل عظيم ، والسبب في هذه الروايات قلة ضبط الرواة ، وسبب قلة الضبط قلة الدراية ، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو» قلت : وهذا من أبي القاسم غير مرضيّ ، إذ القرّاء معنيّون بهذا الشأن ، لأنهم تلقّوا عن شيوخهم الحرف بعد الحرف ، فكيف يقلّ ضبطهم؟ وهو أمر يدرك بالحسّ السمعي ، والمانع من إدغام الراء في اللام والنون وهو تكرير الراء وقوتها ، والأقوى لا يدغم في الأضعف ، وهذا مذهب البصريين : الخليل وسيبويه ومن تبعهما ، وأجاز ذلك الفراء والكسائي والرؤاسي (١) ويعقوب الحضرمي ورأس البصريين أبو عمرو ، وليس قوله : «إن هذه الرواية غلط عليه» بمسلّم.
ثم ذكر الشيخ (٢) نقولا عن القراء كثيرة هي منصوصة في كتبهم ، فلم أر لذكرها هنا فائدة ، فإنّ مجموعها ملخّص فيما ذكرته ، وكيف يقال إن الراوي ذلك عن أبي عمرو مخطئ مرتين ، ومن جملة رواته اليزيديّ إمام النحو واللغة ، وكان ينازع الكسائي رئاسته ، ومحلّه مشهور بين أهل هذا الشأن.
(آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(٢٨٥)
قوله تعالى : (وَالْمُؤْمِنُونَ) : يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه مرفوع بالفاعلية عطفا على «الرسول» فيكون الوقف هنا ، ويدلّ على صحة هذا ما قرأ به أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب : «وآمن المؤمنون» ، فأظهر الفعل ، ويكون قوله : «كلّ آمن» جملة من مبتدإ وخبر يدلّ على أنّ جميع من تقدّم ذكره آمن بما ذكر.
والثاني : أن يكون «المؤمنون» مبتدأ ، و «كلّ» مبتدأ ثان ، و «آمن» خبر عن «كل» وهذا المبتدأ وخبره خبر الأول ، وعلى هذا فلا بدّ من رابط بين هذه الجملة وبين ما أخبر بها عنه ، وهو محذوف تقديره : «كلّ منهم» وهو كقولهم : «السّمن منوان بدرهم» تقديره : منوان منه. قال الزمخشري : «والمؤمنون إن عطف على الرسول كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في «كل» راجعا إلى «الرسول» و «المؤمنون» أي : كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين ووقف عليه ، وإن كان مبتدأ كان الضمير للمؤمنين».
فإن قيل : هل يجوز أن يكون «المؤمنون» مبتدأ ، و «كل» تأكيد له و «آمن» خبر هذا المبتدأ ، فالجواب أنّ ذلك لا يجوز لأنهم نصّوا على أن «كلّا» وأخواتها لا تقع تأكيدا للمعارف إلا مضافة لفظا لضمير الأول ، ولذلك ردّوا قول من قال : «إنّ كلّا في قراءة من قرأ : «إنّا كلّا فيها» تأكيد لاسم إنّ.
وقرأ الأخوان هنا «وكتابه» بالإفراد والباقون بالجمع. وفي سورة التحريم قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم
__________________
(١) محمد بن الحسن بن أبي سارة الرؤاسي النيليّ النحويّ أبو جعفر سمي بالرّؤاسي لكبر رأسه وهو أوّل من وضع من الكوفيين كتابا في النحو وهو أستاذ الكسائي والفراء انظر بغية الوعاة (١ / ٨٢ ـ ٨٣).
(٢) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٦٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)