وقرأ الجعفيّ وطلحة بن مصرف وخلاد : «يغفر» بإسقاط الفاء ، وهي كذلك في مصحف عبد الله ، وهي بدل من الجواب كقوله تعالى : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ)(١). وقال أبو الفتح : «وهي على البدل من «يحاسبكم» فهي تفسير للمحاسبة».
قال الشيخ (٢) : «وليس بتفسير ، بل هما مترتّبان على المحاسبة». وقال الزمخشري : «ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب لأنّ التفصيل أوضح من المفصّل ، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال ، كقولك : «ضربت زيدا رأسه» و «أحببت زيدا عقله» ، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان».
قال الشيخ (٣) : «وفيه بعض مناقشة : أمّا الأول فقوله : «ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب» وليس العذاب والغفران تفصيلا لجملة الحساب ، لأنّ الحساب إنما هو تعداد حسناته وسيئاته وحصرها ، بحيث لا يشذّ شيء منها ، والغفران والعذاب مترتّبان على المحاسبة ، فليست المحاسبة مفصّلة بالغفران والعذاب. وأمّا ثانيا فلقوله بعد أن ذكر بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال : «وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان» أمّا بدل الاشتمال فهو يمكن ، وقد جاء لأنّ الفعل يدلّ على الجنس وتحته أنواع يشتمل عليها ، ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواعه ، وأمّا بدل البعض من الكلّ فلا يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزّؤ ، فلا يقال في الفعل له كل وبعض إلا بمجاز بعيد ، فليس كالاسم في ذلك ، ولذلك يستحيل وجود بدل البعض من الكل في حق الله تعالى ، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض.
قلت : ولا أدري ما المانع من كون المغفرة والعذاب تفسيرا أو تفصيلا للحساب ، والحساب نتيجته ذلك ، وعبارة الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جني. وأمّا قوله : «إنّ بدل البعض من الكل في الفعل متعذر ، إذ لا يتحقق فيه تجزّؤ» فليس بظاهر ، لأنّ الكلية والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه ، فإنّ الجنس كلّ والنوع بعض. وأمّا قياسه على الباري تعالى فلا أدري ما الجامع بينهما؟ وكان في كلام الزمخشري ما هو أولى بالاعتراض عليه. فإنه قال : «وقرأ الأعمش : «يغفر» بغير فاء مجزوما على البدل من «يحاسبكم» كقوله :
|
١١٤٩ ـ متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا |
|
تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا (٤) |
وهذا فيه نظر ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعد ذلك كما تقدّم حكايته عنه ؛ لأن البيت قد أبدل فيه من فعل الشرط لا من جوابه ، والآية قد أبدل فيها من نفس الجواب ، ولكنّ الجامع بينهما كون الثاني بدلا ممّا قبله وبيانا له.
وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام والباقون بإظهارها. وأظهر الباء قبل الميم هنا ابن كثير بخلاف عنه ، وورش عن نافع ، والباقون بالإدغام. وقد طعن قوم على قراءة أبي عمرو لأنّ إدغام الراء في اللام عندهم ضعيف.
قال الزمخشري : «فإن قلت : كيف يقرأ الجازم»؟ قلت : يظهر الراء ويدغم الباء ، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا ، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين ، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن
__________________
(١) سورة الفرقان ، الآيتان (٦٨ ـ ٦٩).
(٢) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٦١).
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) تقدم.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)