والثالث : أن تكون الواو للحال ، والجملة بعدها نصب على الحال فهي على هذين الوجهين الأخيرين في محلّ نصب.
قوله : (فَإِنْ أَمِنَ) قرأ أبيّ فيما نقله عنه الزمخشري «أومن» مبنيا للمفعول. قال الزمخشري : «أي أمنه الناس ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء». قلت : وعلام تنتصب» بعضا؟ والظاهر نصبه بإسقاط الخافض على حذف مضاف أي : فإن أومن بعضكم على متاع بعض أو على دين بعض.
قوله : (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ) إذا وقف على «الذي» وابتدئ بما بعدها قيل : «اوتمن» بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة ، وذلك لأنّ أصله اأتمن ، مثل اقتدر بهمزتين : الأولى للوصل والثانية فاء الكلمة ، ووقعت الثانية ساكنة بعد أخرى مثلها مضمومة وجب قلب الثانية لمجانس حركة الأولى فقلت : أوتمن. فأمّا في الدّرج فتذهب همزة الوصل فتعود الهمزة إلى حالها لزوال موجب قلبها واوا بل تقلب ياء صريحة في الوصل في رواية ورش والسوسي.
وروي عن عاصم : «الذي اوتمن» برفع الألف ويشير بالضمة إلى الهمزة ، قال ابن مجاهد : «وهذه الترجمة غلط». وروى سليم عن حمزة إشمام الهمزة الضمّ ، وفي الإشارة والإشمام المذكورين نظر. وقرأ عاصم أيضا في شاذّه : «الّذتّمن» بإدغام الياء المبدلة من الهمزة في تاء الافتعال ، قال الزمخشري : «قياسا على «اتّسر» في الافتعال من اليسر ، وليس بصحيح لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة فهي في حكم الهمزة ، واتّزر عاميّ ، وكذلك «ريّا» في «رؤيا».
قال الشيخ (١) : «وما ذكر الزمخشري فيه أنه ليس بصحيح وأن «اتّزر» عامّي ـ يعني أنه من إحداث العامة لا أصل له في اللغة ـ قد ذكره غيره أنّ بعضهم أبدل وأدغم : «اتّمن واتّزر» وأنّ ذلك لغة رديئة ، وكذلك «ريّا» في رؤيا ، فهذا التشبيه : إمّا أن يعود على قوله : «واتّزر عاميّ» فيكون إدغام «ريّا» عاميا ، وإمّا أن يعود إلى قوله «فليس بصحيح» أي : وكذلك إدغام «ريّا» ليس بصحيح ، وقد حكى الكسائي الإدغام في «ريّا».
وقوله : (أَمانَتَهُ) يجوز أن تكون الأمانة بمعنى الشيء المؤتمن عليه فينتصب انتصاب المفعول به بقوله : «فليؤدّ» ، ويجوز أن تكون مصدرا على أصلها ، وتكون على حذف مضاف ، أي : فليؤدّ دين أمانته. ولا جائز أن تكون منصوبة على مصدر ائتمن. والضمير في «أمانته» يحتمل أن يعود على صاحب الحقّ ، وأن يعود على الذي ائتمن.
قوله : (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) في هذا الضمير وجهان :
أحدهما : أنه ضمير الشأن والجملة بعده ، مفسّر له.
والثاني : أنه ضمير «من» في قوله : «ومن يكتمها» وهذا هو الظاهر. وأمّا «آثم قلبه» ففيه أوجه :
أظهرها : أنّ الضمير في «إنه» ضمير «من» و «آثم» خبر إنّ ، و «قلبه» فاعل بآثم ، نحو قولك : زيد إنه قائم أبوه ، وعمل اسم الفاعل هنا واضح لوجود شروط الإعمال. ولا يجيء هذا الوجه على القول بأنّ الضمير ضمير
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٥٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)