وقرأ عكرمة : «ولا يضارر كاتبا ولا شهيدا» بالفكّ وكسر الراء الأولى والفاعل ضمير صاحب الحق ، ونصب «كاتبا» و «شهيدا» على المفعول به أي : لا يضارر صاحب حق كاتبا ولا شهيدا بأن يجبره ويبرمه بالكتابة والشهادة ؛ أو بأن يحمله على ما لا يجوز.
وقرأ ابن محيصن : «ولا يضارّ» برفع الراء ، وهو نفي فيكون الخبر بمعنى النهي كقوله : (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ)(١).
وقرأ عكرمة في رواية مقسم : «ولا يضارّ» بكسر الراء مشددة على أصل التقاء الساكنين. وقد تقدّم لك تحقيق هذه الأشياء عند قوله : (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها)(٢).
قوله : (وَإِنْ تَفْعَلُوا) أي : تفعلوا شيئا ممّا نهى الله عنه ، فحذف المفعول به للعلم به. والضمير في «فإنه» يعود على الامتناع أو الإضرار. و «بكم» متعلق بمحذوف ، فقدّره أبو البقاء : «لا حق بكم» وينبغي أن يقدّر كونا مطلقا ، لأنه صفة ل «فسوق» أي : فسوق مستقرّ بكم ، أي : ملتبس بكم ولا صق بكم.
قوله : (وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) يجوز في هذه الجملة الاستئناف ـ وهو الظاهر ـ ويجوز أن تكون حالا من الفاعل في «اتّقوا» قال أبو البقاء : «تقديره : واتقوا الله مضمونا لكم التعليم أو الهداية ، ويجوز أن تكون حالا مقدّرة». قلت : وفي هذين الوجهين نظر ، لأنّ المضارع المثبت لا تباشره واو الحال ، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤوّل ، لكن لا ضرورة تدعو إليه ههنا.
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(٢٨٣)
قوله تعالى : (وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً) : العامة على «كاتبا» اسم فاعل. وقرأ أبيّ ومجاهد وأبو العالية (٣) :
«كتابا» ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه مصدر أي ذا كتابة.
والثاني : أنه جمع كاتب ، كصاحب وصحاب. ونقل الزمخشري هذه القراءة عن أبيّ وابن عباس فقط ، وقال : «قال ابن عباس : أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدّواة». وقرأ ابن عباس والضحاك : «كتّابا» على الجمع ، اعتبارا بأنّ كلّ نازلة لها كاتب. وقرأ أبو العالية : «كتبا» جمع كتاب ، اعتبارا بالنوازل ، قلت : قول ابن عباس : «أرأيت إن وجدت الكاتب الخ» ترجيح للقراءة المرويّة عنه واستبعاد لقراءة غيره «كاتبا» ، يعني أن المراد الكتاب لا الكاتب.
قوله : (فَرِهانٌ) فيه ثلاثة أوجه :
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (١٩٧).
(٢) سورة البقرة ، آية (٢٣٣).
(٣) رفيع بن مهران الرياحي أبو العالية تابعي ثقة توفي سنة (٩٠) ه ، انظر غاية النهاية (١ / ٢٨٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)