ونقل ابن عطية أنه مأخوذ من «قسط» بضمّ السين نحو : «أكرم» من «كرم». وقيل : هو من القسط بالكسر وهو العدل ، وهو مصدر لم يشتقّ منه فعل ، وليس من الإقساط ؛ لأنّ أفعل لا يبنى من «الإفعال». وهذا الذي قلته كلّه بناء منهم على أنّ الثلاثيّ بمعنى الجور والرباعيّ بمعنى العدل.
ويحكى أن سعيد بن جبير لمّا سأله الظالم الحجّاج بن يوسف : ما تقول فيّ؟ فقال : «أقول إنك قاسط عادل» ، فلم يفطن له إلا هو ، فقال : إنه جعلني جائرا كافرا ، وتلا قوله تعالى : (وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)(١) (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)(٢).
وأمّا إذا جعلناه مشتركا بين عدل وبين جار فالأمر واضح قال ابن القطاع (٣) : «قسط قسوطا وقسطا : جار وعدل ضدّ». وحكى ابن السّيد في كتاب «الاقتضاب» له عن ابن السكيت في كتاب «الأضداد» عن أبي عبيدة : «قسط : جار ، وقسط : عدل ، وأقسط بالألف عدل لا غير. وقال أبو القاسم الراغب الأصبهاني : «القسط أن يأخذ قسط غيره ، وذلك جور ، والإقساط أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف ، ولذلك يقال : قسط إذا جار ، وأقسط إذا عدل» وسيأتي لهذا أيضا مزيد بيان في سورة النساء إن شاء الله تعالى.
و (عِنْدَ اللهِ) ظرف منصوب ب «أقسط» أي : في حكمه. وقوله «وأقوم» إنما صحّت الواو فيه لأنه أفعل تفضيل ، وأفعل التفضيل يصحّ حملا على فعل التعجب ، وصحّ فعل التعجب لجريانه مجرى الأسماء لجموده وعدم تصرّفه.
و (أَقْوَمُ) يجوز أن يكون من «أقام» الرباعي المتعدّي ؛ لكنه حذف الهمزة الزائدة ، ثم أتى بهمزة أفعل كقوله تعالى : (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى)(٤) فيكون المعنى : أثبت لإقامتكم الشهادة ، ويجوز أن يكون من «قام» اللازم ويكون المعنى : ذلك أثبت لقيام الشهادة ، وقامت الشهادة : ثبتت ، قاله أبو البقاء.
قوله : (لِلشَّهادَةِ) متعلّق ب «أقوم» ، وهو مفعول في المعنى ، واللام زائدة ولا يجوز حذفها ونصب مجرورها بعد أفعل التفضيل إلا ضرورة كقوله :
|
١١٣٥ ـ ............... |
|
وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا (٥) |
وقد قيل : إن «القوانس» منصوب بمضمر يدلّ عليه أفعل التفضيل ، هذا معنى كلام الشيخ (٦) ، وهو ماش على أنّ «أقوم» من أقام المتعدي ، وأما إذا جعلته من «قام» بمعنى ثبت فاللام غير زائدة.
قوله : أن لا (تَرْتابُوا) أي : أقرب ، وحرف الجرّ محذوف ، فقيل : هو اللام أي : أدنى لئلّا ترتابوا ، وقيل هو «إلى» وقيل : هو «من» أي : أدنى إلى أن لا ترتابوا وأدنى من أن لا ترتابوا. وفي تقديرهم «من» نظر ، إذ المعنى لا يساعد عليه. و «ترتابوا» : تفتعلوا من الرّيبة ، والأصل : «ترتيبوا» ، فقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. والمفضّل عليه محذوف لفهم المعنى ، أي : أقسط وأقوم وأدنى لكذا من عدم الكتب ، وحسّن الحذف كون
__________________
(١) سورة الجن ، آية (١٥).
(٢) سورة الأنعام ، آية (١).
(٣) علي بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن القطاع الصقلي كان إمام وقته بمصر في علم العربية وفنون الأدب توفي سنة ٥١٥ ه ، انظر البغية (٢ / ١٥٣ ـ ١٥٤).
(٤) سورة الكهف ، آية (١٢).
(٥) تقدم.
(٦) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٥٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)