والهاء في «تكتبوه» يجوز أن تكون للدّين في أول الآية ، وأن تكون للحقّ في قوله : «فإن كان الذي عليه الحقّ»» وهو أقرب مذكور ، والمراد به «الدّين» وقيل : يعود على الكتاب المفهوم من «يكتبوه» قاله الزمخشري.
و (صَغِيراً أَوْ كَبِيراً) حال ، أي : على أيّ حال كان الدّين قليلا أو كثيرا ، وعلى أيّ حال كان الكتاب مختصرا أو مشبعا ، وجوّز السجاوندي انتصابه على خبر «كان» مضمرة ، وهذا لا حاجة تدعو إليه ، وليس من مواضع إضماره.
وقرأ السلمي : «ولا يسأموا أن يكتبوه» بالياء من تحت فيهما. والفاعل على هذه القراءة ضمير الشهداء ، ويجوز أن يكون من باب الالتفات ، فيعود : إمّا على المتعاملين وإمّا على الكتّاب.
قوله : (إِلى أَجَلِهِ) يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه متعلّق بمحذوف أي : أن تكتبوه مستقرا في الذمّة إلى أجل حلوله.
والثاني : أنه متعلّق ب «تكتبوه» ، قاله أبو البقاء.
وهذا قد ردّه الشيخ (١) فقال : متعلق بمحذوف لا ب «تكتبوه» لعدم استمرار الكتابة إلى أجل الدّين إذ ينقضي في زمن يسير ، فليس نظير : «سرت إلى الكوفة.
والثالث : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من الهاء ، قاله أبو البقاء.
قوله : (ذلِكُمْ) مشار به لأقرب مذكور وهو الكتب. وقيل إليه وإلى الإشهاد ، وقيل : إلى جميع ما ذكر وهو أحسن. و (أَقْسَطُ) قيل : هو من أقسط إذا عدل ، ولا يكون من قسط ، لأنّ قسط بمعنى جار ، وأقسط بمعنى عدل ، فتكون الهمزة للسّلب ، إلا أنه يلزم بناء أفعل من الرباعي ، وهو شاذّ.
قال الزمخشري : «فإن قلت ممّ بني أفعلا التفضيل ـ أعني أقسط وأقوم؟ ـ قلت : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيّين من «أقسط» و «أقام» وأن يكون «أقسط» من قاسط على طريقة النسب بمعنى : ذي قسط ؛ و «أقوم» من قويم».
قال الشيخ : لم ينصّ سيبويه على أنّ أفعل التفضيل تبنى من «أفعل» ، إنما يؤخذ ذلك بالاستدلال ، فإنه نصّ في أوائل كتابه على أنّ «أفعل» للتعجب يكون من فعل وفعل وفعل وأفعل ، وظاهر هذا أن «أفعل» للتعجب يبنى منه أفعل للتفضيل ، فما اقتاس في التعجب اقتاس في التفضيل ، وما شذّ فيه شذّ فيه. وقد اختلف النحويون في بناء التعجب وأفعل التفضيل من أفعل على ثلاثة مذاهب : الجواز مطلقا ، والمنع مطلقا ، والتفضيل بين أن تكون الهمزة للنقل فيمتنع ، أو لا فيجوز ، وعليه يؤوّل كلام سيبويه ، حيث قال : «إنه يبنى من أفعل» أي الذي همزته لغير التعدية. ومن منع مطلقا قال : «لم يقل سيبويه وأفعل بصيغة الماضي» إنما قالها أفعل بصيغة الأمر ، فالتبس على السامع ، ويعني أنه يكون فعل التعجب على أفعل ، بناؤه من فعل وفعل وفعل ، وعلى أفعل. ولهذه المذاهب موضوع هو أليق بالكلام عليها.
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٥١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)