و «إحدى» تأنيث «الواحد» قال الفارسيّ : «أنّثوه على غير بنائه ، وفي هذا نظر ، بل هو تأنيث «أحد» ولذلك يقابلونها به في : أحد عشر وإحدى عشرة وواحد وعشرين وإحدى وعشرين. وجمع «إحدى» على «إحد» نحو : كسرة وكسر. قال أبو العباس : «جعلوا الألف في الإحدى بمنزلة التاء في «الكسرة» فقالوا في جمعها : إحد كما قالوا : كسرة وكسر ، كما جعلوه مثلها في الكبرى والكبر ، والعليا والعلى ، فكما جعلوا هذه كظلمة وظلم جعلوا الأول كسدرة وسدر» قال : «وكما جعلوا الألف المقصورة بمنزلة التاء فيما ذكر جعلوا الممدودة أيضا بمنزلتها في قولهم «قاصعاء وقواصع» ودامّاء ودوامّ» يعني أن فاعلة نحو : ضاربة تجمع على ضوارب ، كذا فاعلاء نحو : قاصعاء وراهطاء تجمع على فواعل ، وأنشد ابن الأعرابي على إحدى وإحد قول الشاعر :
|
١١٣٢ ـ حتّى استثاروا بي إحدى الإحد |
|
ليثا هزبرا ذا سلاح معتدي (١) |
قال : يقال : هو إحدى الإحد ، وأحد الأحدين ، وواحد الآحاد ، كما يقال : واحد لا مثل له ، وأنشد البيت.
واعلم أنّ «إحدى» لا تستعمل إلا مضافة إلى غيرها ، فيقال : إحدى الإحد وإحداهما ، ولا يقال : جاءتني إحدى ، ولا رأيت إحدى ، وهذا بخلاف مذكّرها.
و «الأخرى» تأنيث «آخر» الذي هو أفعل التفضيل ، وتكون بمعنى آخرة ، كقوله تعالى : (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ)(٢) ، ويجمع كلّ منهما على «أخر» ، ولكنّ جمع الأولى ممتنع من الصرف ، وفي علّته خلاف ، وجمع الثانية منصرف ، وبينهما فرق في المعنى ، وهذا كلّه سأوضّحه إن شاء الله تعالى في الأعراف فإنه أليق به.
قوله : (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ) مفعوله محذوف لفهم المعنى ، أي : لا يأبون إقامة الشهادة ، وقيل : المحذوف مجرور لأنّ «أبى» بمعنى امتنع ، فيتعدّى تعديته أي من إقامة الشهادة.
و (إِذا ما دُعُوا) ظرف ل «يأب» أي : لا يمتنعون في وقت دعوتهم لأدائها ، أو لإقامتها ، ويجوز أن تكون متمحضة للظرف ، ويجوز أن تكون شرطية والجواب محذوف أي : إذا دعوا فلا يأبوا.
قوله : (أَنْ تَكْتُبُوهُ) مفعول به والناصب له «تسأموا» لأنه يتعدّى بنفسه قال :
|
١١٣٣ ـ سئمت تكاليف الحياة ومن يعش |
|
ثمانين حولا لا أبا لك يسأم (٣) |
وقيل : بل يتعدّى بحرف الجر ، والأصل : من أن تكتبوه ، فحذف حرف الجرّ للعلم به فيجري الخلاف المشهور في «أن» بعد حذفه ، ويدلّ على تعدّيه ب «من» قوله :
|
١١٣٤ ـ ولقد سئمت من الحياة وطولها |
|
وسؤال هذا النّاس كيف لبيد (٤) |
والسّأم والسّآمة : الملل من الشيء والضّجر منه.
__________________
(١) البيت ذكره ابن منظور في اللسان م «وحد».
(٢) سورة الأعراف ، آية (٣٨).
(٣) البيت من معلقة زهير انظر ديوانه (٢٩) ، شرح الشنقيطي (٨٦).
(٤) البيت للبيد انظر ديوانه (٣٥) ، المحتسب (١ / ١٨٩) ، البحر (٢ / ٣٥١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)