وتشديد الكاف ورفع الراء ، وأبو عمرو وابن كثير بفتح «أن» وتخفيف الكاف ونصب الراء ، والباقون كذلك ، إلا أنهم يشدّدون الكاف.
والمفعول الثاني محذوف أيضا في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وفعّل وأفعل هنا بمعنى ، [نحو] : أكرمته وكرّمته ، وفرّحته وأفرحته. قالوا : والتشديد في هذا اللفظ أكثر استعمالا من التخفيف ، وعليه قوله :
|
١١٣١ ـ على أنّني بعد ما قد مضى |
|
ثلاثون للهجر حولا كميلا (١) |
|
يذكّر نيك حنين العجول |
|
ونوح الحمامة تدعو هديلا |
وقرأ عيسى بن عمر والجحدري : «تضلّ» مبنيا للمفعول ، وعن الجحدري أيضا : «تضلّ» بضم التاء وكسر الضاد من أضلّ كذا أي : أضاعه ، والمفعول محذوف أي : تضلّ الشهادة. وقرأ حميد بن عبد الرحمن (٢) ومجاهد : «فتذكر» برفع الراء وتخفيف الكاف ، وزيد بن أسلم (٣) : «فتذاكر» من المذاكرة.
وقوله : (إِحْداهُما) فاعل «والأخرى» مفعول ، وهذا ممّا يجب تقديم الفاعل فيه لخفاء الإعراب والمعنى نحو : ضرب موسى عيسى. قال أبو البقاء : ف «إحداهما» فاعل ، و «الأخرى» مفعول ، ويصحّ العكس ، إلا أنه يمتنع على ظاهر قول النحويين في الإعراب ، لأنه إذا لم يظهر الإعراب في الفاعل والمفعول وجب تقديم الفاعل فيما يخاف فيه اللّبس ، فعلى هذا إذا أمن اللّبس جاز تقديم المفعول كقولك : «كسر العصا موسى» ، وهذه الآية من هذا القبيل لأنّ النّسيان والإذكار لا يتعيّن في واحدة منهما بل ذلك على الإبهام ، وقد علم بقوله «فتذكّر» أنّ التي تذكّر هي الذاكرة والتي تذكّر هي الناسية ، كما علم من لفظ «كسر» من يصحّ منه الكسر ، فعلى هذا يجوز أن يجعل «إحداهما» فاعلا ، و «الأخرى» مفعولا وأن تعكس» انتهى. ولمّا أبهم الفاعل في قوله : «أن تضلّ إحداهما» أبهم أيضا في قوله : «فتذكّر إحداهما» لأنّ كلا من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الإضلال والإذكار ، والمعنى : إن ضلّت هذه أذكرتها هذه ، فدخل الكلام معنى العموم.
قال أبو البقاء : «فإن قيل : لم لم يقل : «فتذكّرها الأخرى»؟ قيل فيه وجهان :
أحدهما : أنه أعاد الظاهر ليدّل على الإبهام في الذّكر والنسيان ، ولو أضمر لتعيّن عوده على المذكور.
والثاني : أنه وضع الظاهر موضع المضمر ، تقديره : «فتذكّرها» وهذا يدلّ على أن «إحداهما» الثانية مفعول مقدم ، ولا يجوز أن يكون فاعلا في هذا الوجه ، لأنّ المضمر هو المظهر بعينه ، والمظهر الأول فاعل «تضلّ» فلو جعل الضمير لذلك المظهر لكانت الناسية هي المذكّرة ، وذا محال» قلت : وقد يتبادر إلى الذهن أنّ الوجهين راجعان لوجه واحد قبل التأمّل ، لأنّ قوله : «أعاد الظاهر» قريب من قوله : «وضع الظاهر موضع المضمر».
__________________
(١) البيتان للعباس بن مرداس انظر ديوانه الكتاب (٢ / ١٥٨) ، ابن يعيش (٤ / ١٣٠) ، الإنصاف (١ / ٣٠٨) ، المغني (٢ / ٥٧٢) ، الدرر (١ / ٢١٠) ، الخزانة (٣ / ٢٩٩) ، المعني فيه أنه يقول : أنني لم أنس عهدك على بعده فكلما حنث عرجول وهي الفاقدة ولدها من الإبل وغيرها أو ناحت حمامة رقت نفسى فذكرتك.
(٢) حميد بن عبد الرحمن تابعي مشهور روى عنه قتادة وتوفي سنة ٩٥ ه ، تهذيب التهذيب (٣ / ٤٥).
(٣) زيد بن أسلم العدوي العمري المدني مولى عمر رضي الله عنه توفي سنة ١٣٦ ه وانظر ترجمته مفصلا في تقدمتنا لوسيط الواحدي. وانظر غاية النهاية (١ / ٢٩٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)