وغير مكانه وجب أن يفتح أن». وقال الفارسي : «ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها والقياس يفسدها ، ألا ترى أنّا نجد الحرف العامل إذا تغيّرت حركته لم يوجب ذلك تغيّرا في عمله ولا معناه ، وذلك ما رواه أبو الحسن من فتح اللام الجارّة مع المظهر عن يونس وأبي عبيدة وخلف الأحمر ، فكما أنّ هذه اللام لمّا فتحت لم يتغيّر من عملها ومعناها شيء ، كذلك «إن» الجزائية ينبغي إذا فتحت ألّا يتغيّر عملها ولا معناها ، وممّا يبعده أيضا أنّا نجد الحرف العامل لا يتغيّر عمله بالتقديم ولا بالتأخير ، ألا ترى لقولك : «مررت بزيد» ثم تقول : «بزيد مررت» فلم يتغيّر عمل الباء بتقديمها من تأخير».
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فتذكر» بتخفيف الكاف ونصب الراء من أذكرته أي : جعلته ذاكرا للشيء بعد نسيانه ، فإنّ المراد بالضلال هنا النسيان كقوله تعالى : (فَعَلْتُها) إذن (وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)(١) وأنشدوا الفرزدق :
|
١١٣٠ ـ ولقد ضللت أباك يدعو دارما |
|
كضلال ملتمس طريق وبار (٢) |
فالهمزة في «أذكرته» للنقل والتعدية ، والفعل قبلها متعدّ لواحد ، فلا بدّ من آخر ، وليس في الآية إلا مفعول واحد فلا بدّ من اعتقاد حذف الثاني ، والتقدير فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة بعد نسيانها إن نسيتها ، وهذا التفسير هو المشهور.
وقد شذّ بعضهم فقال : «معنى فتذكر إحداهما الأخرى أي : فتجعلها ذكرا ، أي : تصيّر حكمها حكم الذّكر في قبول الشهادة. وروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال : «فتذكّر إحداهما الأخرى بالتشديد فهو من طريق التذكير بعد النسيان ، تقول لها : هل تذكرين إذ شهدنا كذا يوم كذا في مكان كذا على فلان أو فلانة ، ومن قرأ «فتذكر» بالتخفيف فقال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها فقد أذكرتها لقيامهما مقام ذكر» ولم يرتض هذا من أبي عمرو المفسرون وأهل اللسان ، بل لم يصحّحوا رواية ذلك عنه لمعرفتهم بمكانته من العلم ، وردّوه على قائله من وجوه منها : أنّ الفصاحة تقتضي مقابلة الضلال المراد به النسيان بالإذكار والتذكير ، ولا تناسب في المقابلة بالمعنى المنقول عنه. ومنها : أنّ النساء لو بلغن ما بلغن من العدد لا بد معهنّ من رجل يشهد معهم ، فلو كان ذلك المعنى صحيحا لذكّرتها بنفسها من غير انضمام رجل ، هكذا ذكروا ، وينبغي أن يكون ذلك فيما يقبل فيه الرجل مع المرأتين ، وإلّا فقد نجد النساء يتمحّضن في شهادات من غير انضمام رجل إليهنّ ، ومنها : أنها لو صيّرتها ذكرا لكان ينبغي أن يكون ذلك في سائر الأحكام ، ولا يقتصر به على ما فيه ... وفيه نظر أيضا ، وإذ هو مشترك الإلزام لأنه يقال : وكذا إذا فسّرتموه بالتذكير بعد النسيان لم يعمّ الأحكام كلّها ، فما أجيب به فهو جوابهم أيضا.
وقال الزمخشري : «ومن بدع التفاسير : «فتذكّر» فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا ، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذّكر» انتهى. ولم يجعل هذا القول مختصا بقراءة دون أخرى.
وأمّا نصب الراء فنسق على «أن تضلّ» لأنّهما يقرآن : «أن تضلّ» بأن الناصبة ، وقرأ الباقون بتشديد الكاف من «ذكّرته» بمعنى جعلته ذاكرا أيضا ، وقد تقدّم أنّ حمزة وحده هو الذي يرفع الراء.
وخرج من مجموع الكلمتين أنّ القرّاء على ثلاث مراتب : فحمزة وحده : «إن تضلّ فتذكّر» بكسر «إن»
__________________
(١) سورة الشعراء ، آية (٢٠).
(٢) انظر ديوانه (٢ / ٤٥٠) ، اللسان «ضلل».
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)