أحدها : أنه فعل مضمر دلّ عليه الكلام السابق ، إذ التقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين لأن تضلّ إحداهما ، ودلّ على هذا الفعل قوله : «فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان» ، قاله الواحدي ، ولا حاجة إليه ، لأنّ الرافع لرجل وامرأتين مغن عن تقدير شيء آخر ، وكذلك الخبر المقدّر لقولك : «فرجل وامرأتان» إذ تقدير الأول : فليشهد رجل.
وتقدير الثاني : فرجل وامرأتان يشهدون لأن تضلّ ، وهذان التقديران هما الوجه الثاني.
والثالث من الثلاثة المذكورة.
وهنا سؤال واضح جرت عادة المعربين والمفسّرين يسألونه وهو : كيف جعل ضلال إحداهما علة لتطلّب الإشهاد أو مرادا لله تعالى ، على حسب التقديرين المذكورين أولا؟ وقد أجاب سيبويه وغيره عن ذلك بأن الضلال لمّا كان سببا للإذكار ، والإذكار مسبّبا عنه ، وهم ينزّلون كلّ واحد من السبب والمسبّب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبّب عنه الإذكار إرادة للإذكار. فكأنه قيل : إرادة أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت ، ونظيره قولهم : «أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه» فليس إعدادك الخشبة لأن يميل الحائط ولا إعدادك السلاح لأن يجيء عدو ، وإنما هما للإدغام إذا مال وللدفع إذا جاء العدو ، وهذا ممّا يعود إليه المعنى ويهجر فيه جانب اللفظ.
وقد ذهب الجرجاني (١) في هذه الآية إلى أنّ التقدير : مخافة أن تضلّ ، وأنشد قول عمرو :
|
١١٢٩ ـ ............... |
|
فعجّلنا القرى أن تشتمونا (٢) |
أي : مخافة أن تشتمونا» وهذا صحيح لو اقتصر عليه من غير أن يعطف عليه قوله «فتذكّر» لأنه كان التقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين مخافة أن تضلّ إحداهما ، ولكنّ عطف قوله : «فتذكّر» يفسده ، إذ يصير التقدير : مخافة أن تذكر إحداهما الأخرى ، وإذكار إحداهما الأخرى ليس مخوفا منه ، بل هو المقصود ، قال أبو جعفر : «سمعت عليّ بن سليمان يحكي عن أبي العباس أن التقدير كراهة أن تضلّ» قال أبو جعفر : «وهو غلط إذ يصير المعنى : كراهة أن تذكّر إحداهما الأخرى». انتهى.
وذهب الفراء إلى أغرب من هذا كلّه فزعم أنّ تقدير الآية الكريمة : «كي تذكّر أحداهما الأخرى إن ضلّت» فلّما قدّم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت «أن» ، قال : «ومثله من الكلام : «إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى» معناه : إنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل ؛ لأنه إنما يعجب الإعطاء لا السؤال ، فلمّا قدّموا السؤال على العطيّة أصحبوه أن المفتوحة لينكشف المعنى» ، فعنده «أن» في «أن تضلّ» للجزاء ، إلّا أنه قدّم وفتح وأصله التأخير.
وأنكر هذا القول البصريّون وردّوه أبلغ ردّ. قال الزجاج : «لست أدري لم صار الجزاء إذا تقدّم وهو في مكانه
__________________
(١) عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي الإمام المشهور أبو بكر توفي سنة إحدى ـ وقيل : أربع ـ وسبعين وأربعمائة ، البغية (٢ / ١٠٦).
(٢) ابن كلثوم وصدره :
|
نزلتم منزل الأضياف منا |
|
............... |
شرح القصائد العشر (٤٢٣) ، والشنقيطي (١٠٠) ، شرح المفصل لابن يعيش (٨ / ١١٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)