ترضون» ، ولم يذكر أبو البقاء تضعيفه. وكان ينبغي أن يضعّفه بما ضعّف وجه الصفة ، وهو للفصل بينهما ، وضعّفه الشيخ (١) بأنّ البدل يؤذن أيضا بالاختصاص بالشهيدين الرجلين فيعرى عنه رجل وامرأتان. وفيه نظر ، لأنّ هذا من بدل البعض إن أخذنا «رجالكم» على العموم ، أو الكلّ من الكلّ من أخذناهم على الخصوص ، وعلى كلا التقديرين فلا ينفي ذلك عمّا عداه ، وأمّا في الوصف فمسلّم ، لأنّ لها مفهوما على المختار.
الرابع : أن يتعلّق باستشهدوا ، أي : استشهدوا ممّن ترضون. قال الشيخ : «ويكون قيدا في الجميع ، ولذلك جاء متأخرا بعد الجميع».
قوله : (مِنَ الشُّهَداءِ) يجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف ، والتقدير : ممّن ترضونه حال كونه بعض الشهداء. ويجوز أن يكون بدلا من «من» بإعادة العامل ، كما تقدّم في نفس «ممّن ترضون» ، فيكون هذا بدلا من بدل على أحد القولين في كلّ منهما.
قوله : (أَنْ تَضِلَ) قرأ حمزة بكسر «إن» على أنّها شرطية ، والباقون بفتحها ، على أنّها المصدرية الناصبة ، فأمّا القراءة الأولى فجواب الشرط فيها قوله «فتذكّر» ، وذلك أنّ حمزة رحمهالله يقرأ : «فتذكّر» بتشديد الكاف ورفع الراء فصحّ أن تكون الفاء وما في حيّزها جوابا للشرط ، ورفع الفعل لأنه على إضمار مبتدأ أي : فهي تذكّر ، وعلى هذه القراءة فجملة الشرط والجزاء هل لها محلّ من الإعراب أم لا؟ فقال ابن عطية : «إنّ محلّها الرفع صفة لامرأتين» ، وكان قد تقدّم أنّ قوله : «ممّن ترضون» صفة لقوله «فرجل وامرأتان».
قال الشيخ (٢) : «فصار نظير «جاءني رجل وامرأتان عقلاء حبليان» وفي جواز مثل هذا التركيب نظر ، بل الذي تقتضيه الأقيسة تقديم «حبليان» على «عقلاء» ؛ وأمّا إذا قيل بأنّ «ممّن ترضون» بدل من رجالكم ، أو متعلّق باستشهدوا فيتعذّر جعله صفة لامرأتين للزوم الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي». قلت : وابن عطية لم يبتدع هذا الإعراب ، بل سبقه إليه الواحدي فإنه قال : «وموضع الشرط وجوابه رفع بكونهما وصفا للمذكورين وهما «امرأتان» في قوله : (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) لأنّ الشرط والجزاء يوصف بهما ، كما يوصل بهما في قوله : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ)(٣).
والظاهر أنّ هذه الجملة الشرطية مستأنفة للإخبار بهذا الحكم ، وهي جواب لسؤال مقدّر ، كأن قائلا قال : ما بال امرأتين جعلتا بمنزلة رجل؟ فأجيب بهذه الجملة.
وأمّا القراءة الثانية ف «أن» فيها مصدرية ناصبة للفعل بعدها ، والفتحة فيه حركة إعراب ، بخلافها في قراءة حمزة ، فإنها فتحة التقاء ساكنين ، إذ اللام الأولى ساكنة للإدغام في الثانية ، والثانية مسكّنة للجزم ، ولا يمكن إدغام في ساكن ، فحرّكنا الثانية بالفتحة هربا من التقائهما ، وكانت الحركة فتحة ، لأنها أخفّ الحركات ، وأن وما في حيّزها في محلّ نصب أو جرّ بعد حذف حرف الجر ، وهي لام العلة ، والتقدير : لأن تضلّ ، أو إرادة أن تضلّ. وفي متعلّق هذا الجارّ ثلاثة أوجه :
__________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) انظر البحر المحيط (١ / ٣٤٩).
(٣) سورة الحجر ، آية (٤١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)