قال الشيخ (١) : «وكان قدّم في شرح المسّ أنه الجنون ، وهذا الذي ذهب إليه في تعلّق «من المس» بقوله «لا يقومون» ضعيف لوجهين :
أحدهما : أنه قد شرح المسّ بالجنون ، وكان قد شرح أنّ قيامهم لا يكون إلا في الآخرة وهناك ليس بهم جنون ولا مسّ ، ويبعد أن يكنى بالمسّ الذي هو الجنون عن أكل الربا في الدنيا ، فيكون المعنى : لا يقومون يوم القيامة أو من قبورهم من أجل أكل الرّبا إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ، إذ لو أريد هذا المعنى لكان التصريح به أولى من الكناية عنه بلفظ المسّ ، إذ التصريح به أبلغ في الزجر والردع. والوجه الثاني : أنّ ما بعد. «إلّا» لا يتعلّق بما قبلها إلا إن كان في حيّز الاستثناء ، وهذا ليس في حيّز الاستثناء ، ولذلك منعوا أن يتعلّق (بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ)(٢) بقوله : «وما أرسلنا قبلك إلا رجالا» وأنّ التقدير : وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالا».
قلت : أمّا تضعيفه المعنى فليس بجيد ، بل الكناية في لسانهم أبلغ وهذا ممّا لا يختلف فيه.
وأمّا الوجه الثاني فإنه يغتفر في الجارّ والظرف ما لا يغتفر في غيره ، وشواهده كثيرة.
والمسّ عبّر به عن الجنون في لسانهم ، قالوا : مسّ فهو ممسوس ، مثل : جنّ فهو مجنون ، وأنشد أبو بكر :
|
١١٠٣ ـ أعلّل نفسي بما لا يكون |
|
كذي المسّ جنّ ولم يخنق (٣) |
وأصله أنّهم يقولون : إنّ الشيطان يمسّ الإنسان بيده ويركضه برجله ، ويعبّر بالجنون عن النشاط والسرعة وخفة الحركة ، لذلك قال الأعشى يصف ناقته :
|
١١٠٤ ـ وتصبح عن غبّ السّرى وكأنّما |
|
ألمّ بها من طائف الجنّ أولق (٤) |
وقال آخر :
|
١١٠٥ ـ بخيل عليها جنّة عبقريّة (٥) |
|
............... |
قوله : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ) مبتدأ وخبر ، أي : ذلك التخبّط ، أو ذلك القيام بسبب افترائهم هذا القول. وقيل : «ذلك» خبر مبتدإ مضمر تقديره : قيامهم ذلك.
قال الشيخ : «إلا أنّ في هذا الوجه فصلا بين المصدر ومتعلّقه الذي هو «بأنهم» ، على أنه لا يبعد جواز ذلك لحذف المصدر ، فلم يظهر قبح بالفصل بالخبر».
وقد جعلوا الربا أصلا والبيع فرعا حتى شبّهوه به ، قال الزمخشري : «فإن قلت : هلّا قيل : إنما الربا مثل البيع ، لأنّ الكلام في الربا لا في البيع. قلت : جيء به على طريقة المبالغة ، وهو أنهم قد بلغ من اعتقادهم في حلّ الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحلّ ، حتى شبّهوا به البيع». قلت : وهو باب في البلاغة مشهور ، وهو أعلى رتب التشبيه ، ومنه قوله :
__________________
(١) انظر البحر المحيط (١ / ٣٣٤).
(٢) سورة النحل ، آية (٤٤).
(٣) البيت من شواهد البحر (٢ / ٣٣٤).
(٤) انظر ديوانه (٢٢١).
(٥) صدر بيت لزهير وعجزه :
|
............... |
|
جديرون يوما أن ينالو فيستعلوا |
انظر ديوانه (١٠٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)