|
١٠٨٨ ـ لا أقعد الجبن عن الهيجاء |
|
ولو توالت زمر الأعداء (١) |
والثاني : أنها لابتداء الغاية ، والمعنى أنّ محسبة الجاهل غناهم نشأت من تعفّفهم لأنه لا يحسب غناهم غنى تعفف ، إنما يحسبه غنى مال ، فقد نشأت محسبته من تعفّفهم ، وهذا على أنّ تعفّفهم تعفف تام. والثالث : أنها لبيان الجنس ، وإليه نحا ابن عطية ، قال : «يكون التعفف داخلا في المحسبة ، أي : إنه لا يظهر لهم سؤال بل هو قليل ، فالجاهل بهم مع علمه ، بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه ، ف «من» لبيان الجنس على هذا التأويل.
قال الشيخ (٢) : «وليس ما قاله من أنّ «من» هذه في هذا المعنى لبيان الجنس المصطلح عليه ، لأنّ لها اعتبارا عند القائل بهذا المعنى وهو أن تتقدّر «من» بموصول ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف كقوله : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ)(٣) يصحّ أن يقال : الذي هو الأوثان ، ولو قلت هنا : «يحسبهم الجاهل أغنياء الذي هو التعفف» لم يصحّ هذا التقدير ، وكأنه سمّى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس أي : بيّنت بأيّ جنس وقع غناهم ، أي : غناهم بالتعفف لا غنى بالمال ، فسمّى (٤) «من» الداخلة على ما يبيّن جهة الغنى ببيان الجنس ، وليس المصطلح عليه كما قدّمناه ، وهذا المعنى يؤول إلى أن «من» سببية ، لكنها تتعلق بأغنياء لا ب «يحسبهم». انتهى.
وتتعلّق «من» على الوجهين الأوّلين ب «يحسبهم». قال أبو البقاء : «ولا يجوز أن تتعلّق بمعنى «أغنياء» لأنّ المعنى يصير إلى ضد المقصود وذلك أنّ معنى الآية أنّ حالهم يخفى على الجاهل بهم فيظنّهم أغنياء ، ولو علّقت «من» بأغنياء صار المعنى أنّ الجاهل يظنّ أنهم أغنياء ولكن بالتعفف ، والغنيّ بالتعفف فقير من المال». انتهى ، وما قاله أبو البقاء يحتمل بحثا.
وأما على الوجه الثالث ـ وهو كونها لبيان الجنس ـ فقد صرّح الشيخ بتعلّقها بأغنياء ، لأن المعنى يعود إليه ، ولا يجوز تعلّقها في هذا الوجه بالحسبان ، وعلى الجملة فكونها لبيان الجنس قلق المعنى.
والتعفّف : تفعّل من العفّة ، وهي ترك الشيء ، والإعراض عنه مع القدرة على تعاطيه ، قال رؤبة :
|
١٠٨٩ ـ فعفّ عن أسرارها بعد الغسق |
|
ولم يدعها بعد فرك وعشق (٥) |
وقال عنترة :
|
١٠٩٠ ـ يخبرك من شهد الوقيعة أنّني |
|
أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم (٦) |
ومنه : «عفيف الإزار» كناية عن حصانته. وعرّف التعفف لأنه سبق منهم مرارا فصار كالمعهود ، ومتعلّق التعفف ، محذوف اختصارا. أي : عن السؤال ، والأحسن ألّا يقدّر.
قوله : (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) السّيما ـ العلامة ويجوز مدّها وإذا مدّت فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد للإلحاق : إمّا واو ، وإمّا ياء ، فهي كعلباء ملحقة بسرداح ، فالهمزة للإلحاق لا للتأنيث وهي منصرفة لذلك.
__________________
(١) تقدم.
(٢) البحر المحيط (٢ / ٣٢٩).
(٣) سورة الحج ، آية (٣٠).
(٤) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٢٩).
(٥) انظر ديوانه (١٠٤) ، البحر (٢ / ٣١٦).
(٦) البيت عن معلقته انظر ديوانه (٢٠٩) ، شرح القصائد العشر (٣٦٢) ، الشنقيطي (١١٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)