و «سيما» مقلوبة قدّمت عينها على فائها لأنها مشتقة من الوسم فهي بمعنى السّمة أي العلامة ، فلما وقعت الواو بعد كسرة قلبت ياء ، فوزن سيما : عفلا ، كما يقال اضمحلّ ، وامضحلّ ، و «وخيمة» و «خامة» ، وله جاه ووجه ، أي : وجاهة.
وفي الآية طباق في موضعين :
أحدهما : «أحصروا» مع قوله : «ضربا في الأرض».
والثاني : قوله «أغنياء» مع قوله «للفقراء» نحو : (أَضْحَكَ وَأَبْكى) و (أَماتَ وَأَحْيا)(١) ويقال «سيميا» بياء بعد الميم ، وتمدّ كالكيمياء. وأنشد :
|
١٠٩١ ـ غلام رماه الله بالحسن يافعا |
|
له سيمياء لا تشقّ على البصر (٢) |
والباء تتعلّق ب «تعرفهم» ومعناها السببية ، أي : إنّ سبب معرفتك إياهم هي سيماهم.
قوله : (إِلْحافاً) في نصبه ثلاثة أوجه :
أحدها : نصبه على المصدر بفعل مقدّر أي : يلحفون إلحافا ، والجملة المقدرة حال من فاعل «يسألون».
والثاني : أن يكون مفعولا من أجله ، أي : لا يسألون لأجل الإلحاف.
والثالث : أن يكون مصدرا في موضع الحال تقديره : لا يسألون ملحفين.
واعلم أنّ العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد ، نحو : «ما رأيت رجلا صالحا» ، الأكثر على أنك رأيت رجلا ولكن ليس بصالح ، ويجوز أنّك لم تر رجلا البتة لا صالحا ولا طالحا ، فقوله : «لا يسألون الناس إلحافا» المفهوم أنهم يسألون لكن لا بإلحاف ، ويجوز أن يكون المعنى : أنهم لا يسألون ولا يلحفون ، والمعنيان منقولان في التفسير. والأرجح الأول عندهم ، ومثله في المعنى : «ما تأتينا فتحدثنا» يجوز أنه يأتيهم ولا يحدّثهم ، ويجوز أنه لا يأتيهم ولا يحدّثهم ، انتفى السبب وهو الإتيان فانتفى المسبّب وهو الحديث.
وقد شبّه الزجاج ـ رحمهالله تعالى ـ معنى هذه الآية الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس وهو قوله :
|
١٠٩٢ ـ على لاحب لا يهتدى بمناره |
|
إذا سافه العود النّباطيّ جرجرا (٣) |
قال الشيخ (٤) : «تشبيه الزجاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين أي : لا سؤال ولا إلحاق ، وكذلك هذا : لا منار. ولا هداية ، لا أنه مثله في خصوصية النفي ، إذ كان يلزم أن يكون المعنى : لا إلحاف فلا سؤال ، وليس تركيب الآية على هذا المعنى ، ولا يصحّ : لا إلحاف فلا سؤال لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العام ، كما لزم من نفي المنار نفي
__________________
(١) سورة النجم ، آية (٤٣).
(٢) البيت لابن عنقاء الفزاري انظر أمالي القالي (١ / ٢٣٧) ، الطبري (٥ / ٥٩٥).
(٣) انظر ديوانه (٩٥) ، أمالي ابن الشجري (١ / ١٩٢) ، الخصائص (٣ / ١٦٥) ، معاني الزجاج (١ / ٣٥٧) ، اللسان «سوف» ، أمالي المرتضى (١ / ١٦٥).
(٤) البحر المحيط (٢ / ٣٣٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)